العلوم تلتفت للناس.. متأخرة!

العلوم تلتفت للناس.. متأخرة!

يحوم الغموض حول العديد من ميادين العلوم في فهم ما تحاول قوله، أو في طريقة حلّها لهذه المسائل. نتج هذا الغموض عن بُعد العلوم عن الناس في حياتهم اليومية، حتى لو أن العديد منها هي بسيطة بطروحاتها، أو أنها موجهة نحو هذا المجتمع بالذات الذي خُلقت منه وتحاول فهم تركيبته وطريقة عمله.

التسلسل التاريخي
عندما ظهر علم النفس على أنه علم منفصل عن الفلسفة أو العلوم الطبية البيو- فيزيولوجية ظهرت العديد من التفسيرات والاتجاهات مفسرة طريقة عمل النفس البشرية، وتكوينها وتأثيراتها، وبالتالي أمراضها. ظلّ هذا القسم من العلوم إلى اليوم مبهماً للغالبية الكبرى من البشر، حتى لنسبة من أولئك الذين يعملون به. إنما تطوره التاريخي (كما للعلوم الأخرى) رافق التطور السياسي في العالم، وكان في كل لحظة يتطور بحسب الفكر المسيطر عليه. ولكن اختلاف هذه الفئة المسيطرة من الفئة البرجوازية إلى الشعب (كما في الاتحاد السوفييتي) هو الذي نقل علم النفس من غامض إلى مفهوم، ولهذا نجد أن علم النفس السوفييتي هو بسيط بطرحه ومصطلحاته. ولكنه عاد وأزيل من مجال الفئة الشعبية، وتحول إلى طرح غامض مجدداً مع تعمق أزمة الفكر الرأسمالي، يمكن له أن يؤول العديد من التفسيرات المتناقضة، إلى أن وصل اليوم إلى ما يشبه علم الماورائيات في طرحه وحلوله في ما يسمى بشكل عام علم النفس الإيجابي.
علوم المواطن
علم النفس مثل باقي العلوم، يجد نفسه من يعمل فيه في مأزق، العديد من النظريات، لزوم أبحاث جديدة وعدم إمكانية ذلك، التناقض في نتائج الأبحاث، والعديد من القيود التي تؤخر العمل أو تحجمه. تماماً مثلما تجد المراكز البحثية نفسها في هذا المأزق، خاصة عندما أصبح البحث جزءاً من التخرج أو الشهادة العليا ووضعت له عدة منهجيات تتناسب مع المستويات المتفاوتة لمن يقوم به، إما للتخرج أو لإنتاج الجديد. من المنطق نفسه أصدرت الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية ما سمّته علوم المواطن. طارحة أسئلة حول من يشارك في العلوم، وماذا تعني هذه المشاركة، من يحدد الميادين البحثية العلمية، وأي نوع من المعرفة والممارسة يكون علماً. تطرح هذه الأسئلة اليوم في الولايات المتحدة للإجابة عن الفروقات الشاسعة بين العلوم والمجتمع اليومي. الطرح نفسه الذي حاربت به الولايات المتحدة الاتحاد السوفييتي عندما وظف وأدخل العلوم في خدمة تطور المجتمع، واستطاع بذلك النهوض السريع نحو مستوى علمي أعلى من ذلك الذي كان موجوداً في العالم آنذاك. وتشدد الأكاديمية الوطنية للعلوم على ضرورة أخذ المساواة والتنوع والقوة والشمول في تجميع عينة الأبحاث القادمة، خاصة لكون النسبة الأكبر ممن يشارك في الأبحاث هم من البيض الذين يتمتعون بمستوى تعليمي أعلى من المتوسط. يأتي حل الأكاديمية بالمشاركة الأوسع بحسب الفرق الاثني والمستوى التعليمي، ولكن هل بهذا نحل مشكلة ابتعاد العلوم عن الحياة الاجتماعية اليومية؟
من حقاً يشارك في العلوم؟
أسئلة بحثية بسيطة يمكن لها أن تجيب عن هذا السؤال، وهي ببساطة حركة المجتمع، تركيبة الجسد ومرضه وصحته، أو ما الذي يجعلنا ويصنفنا بيضاً أو سمراً أو سوداً، أو ما الذي يؤدي إلى الجنون المناخي الحالي في العديد من بلدان العالم. هذه الأسئلة على بساطتها نجد لها تفسيرات عديدة، منها القَدريّة وما هو خارج عن الطبيعة (وعن إرادتنا) ومنها ما هو علمي. هذه التفسيرات مرتبطة وتأتي من مدى قرب الناس من التفسيرات العلمية ومدى استعمالها لها في حياتها اليومية. فبُعد العلوم عن الناس، من خلال الطروحات والتوظيف، وليس فقط عدم تمثيل العينة، أو منطق الاحتكار وعدم نشر الأبحاث للغالبية، يؤدي إلى ظهور تفسيرات أخرى في أذهان البشر أقل منطقية من التفسير العلمي، وتمنع الفكر العلمي نفسه عن الناس. فالمشاركة في العلوم تعني انطلاقة العلوم من البشر موضوع البحث، وليس من مراكز بحثية معزولة عنهم وعن قضايا المجتمع وتطوره ولا تتعامل معهم على أنهم فئران تجارب. عندها فقط تصبح العلوم على علاقة يومية بمن تمثلهم ومن يحاولون استعمالها لتحسين حياتهم. وعندها يمكننا أن نقول: إن من يحدد الأسئلة أو المواضيع البحثية هم الناس أنفسهم من خلال مشاكلهم ومعاناتهم، فتصبح كل الميادين هي ميادين علمية لأنها منطلقة من مصدر البحث وتعالج حياته ومشاكله.

موسومة تحت

علوم,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 886
عد إلى الأعلى