الحركة والجمود والوعي

الحركة والجمود والوعي

يتعلق وعي البشر بالبيئة التي يعيشون ضمنها، هذه إحدى الأسس التي ارتكز عليها فيغوتسكي في نظريته، والتي منها انطلق لعدة تفاصيل حول علاقة اللغة واللعب وطريقة التعليم في وعي الأطفال وتطور إدراكهم. والدماغ، هو: أحد العناصر المرتبطة بطريقة مباشرة في هذا الوعي.

 

فيستند عمل الدماغ على التواصل مع الآخرين ومع البيئة في المرحلة الأولى التي تحدد خلال سنين عمرنا، لأي حد يسيطر الدماغ، وكيف نستعمله ونمرنه لتطور وعينا وإدراكنا المستمرين. فيتطور الدماغ من خلال عمل الناقلات العصبية التي يرتفع عددها في حالات التعلم في كافة أشكاله. فالناقلات العصبية، أي بالتبسيط: إرسال رسالة من الخارجي (البيئة أو المحيط) إلى الداخلي (الجسد بجميع مكوناته)، التي تتبعها رسالة من الداخلي إلى الخارجي، لكي يقوم الجسد بعمل أي شيء، وهذا العمل ينتج عنه الإحساس أو المشاعر. وهذه الناقلات العصبية، أو هذه الرسائل تتواصل عبر أقسام في الدماغ، بمساعدة آليات داخل كل قسم فيه، فالقسم الذي يعكس الصور الخارجية إلى دماغنا لكي نرى مثلا، مسؤول عن النظر، كما القسم الذي يعكس الصوت، والذي يقوم بالحركة الخ.
وهنا لا يزال في علم النفس السائد عدة تناقضات، فهو مقسوم إلى تيارين يتفقان في العام ويختلفان في الخاص. كالاعتقاد بأن الدماغ منقسم إلى أقسام لا تتداخل بعضها ببعض، هذا في العام، أما في الخاص، كغلبة البيئة على الوراثي في حركة الدماغ، ومدى مرونته وقدرته على التطور، أو بالعكس غلبة الوراثي على البيئة، أو بأننا نتعلم أفضل وفقط خلال سنين عمرنا الأولى، أو العكس أيضاً: إننا نتعلم من خلال التجربة على مدى الحياة.
أما إذا انطلقنا من أن مجموع تجربتنا (حتى تلك التي تصبح تلقائية كالمشي مثلا) وجميع ما ينتج عنها من تطور لحركة وسرعة الناقلات العصبية (كالتعلم والشعور مثلا)، نرفض الافتراضات التي لا تحد فقط عمل الدماغ بمرحلة عمرية معينة، بل تقنع البشر أيضاً بأن تفكيرهم وقدرتهم على العمل محدودة أيضاً. فحركتنا ومرونة تفكيرنا تصبح أسرع من خلال تمرين الدماغ والناقلات العصبية فيه.
التقدم في العمر وحركة الدماغ
خلايا الجسد في تجدد دائم، فحياة الخلية هي عملياً شبيهة بحياة الكائن الذي يحملها، كل خلية هي نتيجة انقسام خلية أخرى تقوم بمهمتها داخل الجسد، وعندما تتقدم في العمر تموت (أو تقوم بالانتحار في المصطلح البيولوجي)، ولكن الأعصاب أو الناقلات العصبية مهمتها هي إرسال الرسائل التي تظل تقوم بها لحين تعطلها، أو حين الموت. وبما أن حركة الناقلات العصبية مرتبطة بالتجربة، تنخفض حركة هذه الناقلات عند التقدم بالعمر لكون حركتنا تقل مع تقدمنا في العمر، كما ينخفض التواصل مع المحيط (في مجتمع التخلي عن دور الفرد إن خرج من دائرة الإنتاج)، وانخفاض المهام التي نقوم بها. ولكن هذا لا يعني أن الدماغ بتركيبته يصبح معطلاً كما يروج له العلم السائد، بل لكون الجسد الفاعل وحركته تصبح أقل. هذا مشابه لأي مدى نستعمل دماغنا ونقوم بتنشيطه قبل التقدم بالعمر كذلك، فمثلاً: تعلم مهمة جديدة، في العمل أو الرياضة أو الفن أو لغة جديدة، ينشط الناقلات العصبية في أماكن جديدة في الدماغ كما بعلاقة هذه الناقلات مع أعضاء الجسد الأخرى. وبالعكس، اكتفاؤنا بالأعمال التي نقوم بها من دون القيام بأعمال جديدة لا يسمح للناقلات العصبية بالتشابك مع جميع أماكن الدماغ، فيقلل من حركتها، وبالتالي يؤدي إلى ضعف أدائها وضعف أداء الدماغ والجسد بشكل عام. فمثلاً: التعلق اليوم بشكل كبير بالهاتف والإنترنت خاصة عند الأطفال لا يسمح لهم بالحركة واختبار مواقف متنوعة، وبالتالي لا يسمح لدماغهم بالتطور أو النضج (قلة التواصل مع الآخرين والتعامل مع أشياء جديدة). تماماً مثل التقدم في العمر، حيث تتحدد علاقتنا ببعض الأعمال، وبعض الأشخاص وكون مجتمعاتنا لا تسمح للشخص مع تقدمه في العمر بخوض تجارب، بل تقمعه لحركة محدودة ومحيط ضيق.
فمثلاً: لا ينفك العلم السائد بتأكيد نظريته حول عمل الدماغ والناقلات العصبية، عبر تجارب غير صحيحة أو محدودة. فمؤخراً صدرت دراسة في مجلة علم الأعصاب لعدة باحثين، تتحدث عن العلاقة بين الاكتئاب وتعطل عمل الذاكرة والدماغ. الدراسة تخلص إلى أن الاكتئاب عند الكبار في العمر يؤدي إلى تعطل عمل الذاكرة العرضية، ويقلل من التفكير، هذا بعدما درست وضع عينة من الكبار في العمر، الذين يتمتعون بصحة جيدة. والخلاصة هذه أتت من نفس التيار الذي يفصل عمل الدماغ وتطور حركته عن البيئة (الاجتماعية)، هذا إذا وضعنا جانباً أي مقياس استعمل لتحديد الاكتئاب عند هذه العينة. فالسبب الاول لتعطل عمل الدماغ أو تأخره، هو الحركة (الإنتاج المادي والفكري) التي يجب أن ترافق الإنسان لكي يظل دماغه في حركة دائمة وتطور مستمر، هذا من دون أن ننسى أنه من الطبيعي أن تقل حركتنا مع تقدمنا في العمر، ولكن هذا لا يعني أن تفكيرنا سيتعطل بفعل هذا التقدم.
لا يتعلق عمل الدماغ وتطوره بالعوامل الداخلية فقط، أي بما يمكن أن نفعله لكي نسرع أو نبقي على عمل دماغنا في حالة لا تسمح له بالتراجع، ولكن أيضاً بالعوامل الخارجية التي تأتي من النظام التعليمي مثلاً، وآلية تطور وضع الأفراد في كافة الصعد، والوقت الذي يتمتع به الأفراد لكي يقوموا بأعمال تسمح لهم بتعلم أو بممارسة شيء جديد (وقت الراحة). هذا ما كان ولايزال من ضمن مكاسب الحركات العمالية في العالم، منذ ما قبل الثورة الاشتراكية وما بعدها. وهذا ما خسرناه لكي يتحول إلى امتياز تتمتع به طبقة معينة، والذي يجب كسر امتيازه، لكي يصبح من ضمن ضمان حياة أفضل للبشر.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 863
عد إلى الأعلى