خوف العلم الرسمي من «الأموات»

خوف العلم الرسمي من «الأموات»

احتدام تناقضات الرأسمالية عالميا، يعني اشتعالا لجبهة الفكر من جديد، ما بين الرأسمالية وافكارها من جهة، وبين الاشتراكية العلمية والماركسية من جهة أخرى. صراع تفرضه مهام التغيير في الواقع الجديد، على قوى التغيير الجذري، والمعركة الفكرية في مواجهة الفكر السائد في محاربه احتمال عودة الماركسية الى الميدان الفكري. وفي هذا الصراع تتطور الماركسية فهي فكر هذا الصراع نفسه.

«ينبشون القبر» خوفا؟
من دلالات المواجهة هي عودة المنشورات عن الماركسية، اما تأكيدا أو نفيا لها. وكثرة المنشورات النافية للماركسية مؤشر على خوف دوائر الفكر المسيطر. وهذا يتعزز عندما تتوسع دائرة النقض للماركسية في المنشورات العلمية-الأكاديمية، لا الدعاية السياسية المباشرة وحدها. والتناقض هو أنهم وفي تأكديهم الدائم على موت الماركسية، يعودون لنبش قبرها لكي يؤكدوا موتها. إذا كانت الماركسية في موت محقق فلماذا هذا التأكيد على الفكرة؟ وكأنه فعل النكران الذي يقوم به الانسان ليتجاهل حقيقة تؤلمه!
الماركسية غير علمية ولا تساهم بتقدم العلوم
من الدلائل الهامشية مقالة منشورة مطلع السنة الحالية للأستاذ المتقاعد حاليا من قسم الفلسفة في جامعة الشرق الأوسط التقنية(تركيا) إردينك سايان، الباحث في فلسفة العلوم، وفلسفة العقل والميتافيزيقا. تحت عنوان «الأهمية المزعومة التي تشكلها الفلسفة المادية الديالكتيكية للعلم، في الماركسية السوفياتية»، يتحدث الكاتب، وبحقد واضح واستهزاء، عن الفكرة التي «رددها وبشكل سخيف الماركسيين الأرثوذكسيين»(قصده «الجامدين») عن ان الماركسية هي فلسفة علمية، أو هي علم بحد ذاتها، وأنها مفيدة في منهجها لتطور العلوم، ويعتبر الكاتب هذا الزعم فارغ وعار عن الصحة، «ينتمي الى حقبة انتهت» والذي «لم يكن التاريخ رحيما بحقّها»، «الزعم الذي تضائل حجم مؤيدوه علميا واقتصاديا وسياسيا في العالم الى حد الانتهاء»ّ!، والذي سيكون مصيره «الزوال في غياهب النسيان». جلب الكاتب مقتطفات من كتاب غربيين وسوفييت وقارن الأقوال مع الواقع، وناقش الماركسية (كما يفهمها) بسطحية فاقعة، ليخلص إلى أنها حقبة من التاريخ تم تضخيم مساهمتها النظرية والمنهجية والعمليّة في ميدان العلوم تحديدا، وتوسع ليلغي عنها أي قيمة معرفية عامة و»من حسن الحظ أننا قطعنا بعيدا عن تلك المرحلة»، ويذكر الكاتب بشكل دائم أنه يستثني «الماركسيين-الجدد»(أي التحريفيين ربما) بل كل نقده موجه للماركسيين «الأرثوذكسيين...أتباع وصايا لينين ...الذي و إن كان لكلماته الفلسفية حول النسبي والمطلق معنى ما أساسا، فلا نفهم دورها في مجال علوم الطبيعة مثلا».
الحجة التي تهدّم بنيان صاحبها
هو استخدم المنطلقات الماركسية ليقول بأنها كمنهج متناقضة مع ذاتها. يقوم الكاتب أن الماركسيين يقترحون استخدام المادية الديالكتيكية من قبل العلماء، وهم في ذلك يتناقضون مع أنفسهم. لماذا؟ يقول الكاتب أن التناقض هو: إذا كانت الماركسية تقول بأن الوعي هو انعكاس للواقع، الذي هو نفسه يخضع لقوانين الديالكتيك، فإذا لا بد للفكر أن يكون ديالكتياَ بالضرورة، ولا معنى للقول بأن هناك فكر ديالكتيكي واخر غير ديالكتيكي! على أساس هذه الفكرة نتلمس حد معرفة الكاتب عما يتكلّم! وإلى أي حد يعرف ان الوعي انعكاس غير سلبي تتوسطه الظروف الاجتماعية والادوار والايديولوجيا السائدة، مع ان هذا لا ينفي عن الفكر انحكامه لقوانين الديالكتيك، ولكن ليس بالضرورة أن المفكر الفرد يعي هذه القوانين الداخلية لوعيه. فالكاتب بالنهاية خبير فلسفة العلوم وما أدراه بهذا «الهراء الماركسي». وهو في سياق حديثه أيضا «يعاير» الماركسيين السوفيات بأنهم لم يأخذوا إلا 9 جوائز نوبل للفيزياء، من أصل 171 تم نيلها منذ العام 1925. لنتماشى مع الكتاب، وبغض النظر عن نوبل ومؤسستها وكيف تمنح الجوائز فيها والتحيز الأيديولوجي الموجود، فهو نفى واقعة أساسية أن الاتحاد السوفياتي خرج عمليا من مرحلة الحروب العسكرية عليه وفيه في العام 1945، وبدأ يشهد تراجعا سياسيا باكرا قبل انهياره السياسي لاحقا، أي أن السوفيات عاشوا «الاستقرار» النسبي مرحلة غير طويلة من تاريخهم (كظرف ملائم للبحث والعلوم والتطبيق. ومع ذلك كانوا سبّاقين إلى الفضاء، وباقي المجالات التي لا حاجة لتؤكدها المواقف المكتوبة من هنا وهناك، بل أكدها الواقع الفعلي نفسه والإنجازات الاقتصادية والعلمية التي تحققت (من دولة فلاحية متخلفة الى دولة عظمى). ولكن حسب الكاتب ان الاتحاد السوفياتي كان اكثر تقدما في ميدان الجوائز الرياضية من العلوم!
نفي العلمية ككل
هذا النقد للسوفيات في ميدان العلوم هو نقد للمادية التاريخية عامة، والذي لم يخفِ الكاتب موقفه هذا أساسا، ولكن هنا أهمّ ما محاه الكاتب وبكل بساطة: أن المنهج الماركسي كان أداة وعي حركة التاريخ وقوانينه، وهو كمنهج نتاج هذه القوانين بالذات، وهذا ما لا يملك الكاتب إمكانية نفيه، فالتاريخ الذي يعتبر الكاتب أنه لم يكن في صالح الماركسية، هو نفسه التاريخ الذي ارتسم ويرتسم عمليا في كل مكان في العالم ليؤكد ما أنتجته الماركسية حول المجتمع وقوانينه، فالماركسيين(منهم السوفيات) بوعيهم العلمي لهذه القوانين غيروا الواقع ونقلوا المجتمع والشعب من حال إلى حال، إلا إذا كان المجتمع لا يمكن فهمه علميا، بينما الفيزياء وحدها هي علم مثلا!
وبالرغم من تسطيح الكاتب، لكنه دلالة على أشكال التشويه ضمن الميدان العلمي نفسه (وفي هذه الحالة أستاذ في فلسفة العلوم)، وعلى الخدعة الرأسمالية المروجة لصوابية ولا انحياز كل «علم» بالمطلق. والموت وحده للقديم المحُتضِر.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 857
عد إلى الأعلى