بعد الحرب: السلطة للشعب أم عليه؟

بعد الحرب: السلطة للشعب أم عليه؟

يعتقد البعض أن المنعطفات السياسية والاجتماعية الكبرى تجري على شكل موجات من الناس الغاضبة التي تقلب الطاولة، وتغير الوقائع وتجعل الحاكم محكوماً، والمحكوم حاكماً بليلة وضحاها... ورغم أن تاريخ الصراع البشري، والحديث منه، قد شهد حوادث سياسية ثورية كبرى كهذه، إلا أن التغيير لطالما كان عملية مديدة ومليئة بالتعرجات والتجارب حتى ينضج المسار.

 

قد يقول قائل: إن بلادنا خارج هذا كله... وأنها دخلت مساراً حاداً وقاسياً، طوى معه صفحة التغيير الاجتماعي المطلوب، وأصبح أغلب السوريين ينشدون فقط وقف الحرب، ولملمة الجراح. وفي هذا القول ما هو صحيح، ولكنه منقوص أيضاً.
الحرب ستخمد
تدريجياً فماذا بعد؟
صحيح أن عموم السوريين في اللحظة الحالية لا يريدون إلا أن يستعيدوا معالم الاستقرار المبددة، أي: بلاد بلا حرب، حياة بلا خطر الموت أو التهجير، ووطن يأويهم من التشرد والنزوح ليعيشوا فيه مواطنين بحقوقهم الكاملة، لا تهدد وجودهم أو حريتهم ميليشيات حملة السلاح أياً كانت مسمياتها ومواضعها.
ولكن هذه المحددات الأولية للعيش، والتي كانت مهددة طوال الأزمة، ولا تزال جزئياً... ستصبح من الماضي إن آجلاً أم عاجلاً. فالمعارك تضع أوزارها وتخمد بالتدريج. وتتحول المتغيرات التي تتراكم في ميزان القوى الدولي، إلى وقائع نوعية تفرض نفسها، لتطفئ الحريق السوري: فتطوي صفحة تقسيم سورية، وتنهي احتمال استيطان الإرهاب فيها، وتوقف تغذية الصراع بالمال العالمي والإقليمي، وتجر الأطراف للوصول إلى توافق سياسي خطوة بعد خطوة. ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد وقف الحرب؟
هل (العيش بسلام
فقط) مسألة سهلة؟
علينا أن نتساءل بعض الأسئلة التفصيلية لنتخيل ما سيواجهه السوريون بعد سنوات الأزمة السبع... فمثلاً: ماذا سيفعل جيل كامل من الشباب قضى سنوات عمره الفاعلة وسط المعارك، أو تحت تأثيرها؟ وما هاجسه التالي؟ وماذا ستفعل الملايين من الأسر بعد أن تقف على أطلال بيوتها المدمرة؟ ومئات الآلاف من أهالي المفقودين؟ والملايين من الجرحى؟ والملايين من العاطلين عن العمل؟ والملايين من اللاجئين؟ والملايين من الفقراء بل والجوعى؟ والملايين ممن لا تحصل أسرهم على دخل يكفي للاستمرار؟ والأهالي الذين لم يعرف أطفالهم المدرسة، والأسر التي خسرت مصادر رزقها وسط الدمار... وإلخ؟ بل حتى ما الذي ستفعله أفواج المرتزقة، بعد أن يوقف السلم (طاقة الفرج) التي كانوا قد فتحوها في الحرب!
سيبحث كل هؤلاء عن سبل العيش، بعد أن يتوارى شبح الموت... وحتى محاولتهم (للعيش بسلام فقط) ستعني سعيهم لحل مشاكلهم الكبرى، فرادى وجماعات. ولكن المفارقة أن هذا الطلب البسيط أي: (العيش)، يعني حل كل هذه المعضلات الاجتماعية، ومواجهة المجتمع السوري لهذه المستحقات الكبرى. والتي لا يمكن أن يتم تجاوزها حتى لو عدنا إلى وتيرة أفضل سنوات التاريخ السوري! فلا مستويات الأداء الديمقراطي والحراك السياسي والاجتماعي الواسع في الخمسينيات تجدي بعد اليوم، ولا وتيرة الأداء الاقتصادي والتنموي المتوسع خلال الستينيات وحتى النصف الثاني من السبعينيات تكفي! بل سيحتاج المجتمع السوري إلى ظرف اقتصادي-اجتماعي وسياسي استثنائي، ليستطيع كل هؤلاء المحرومين أن يعودوا إلى حياة كريمة، وأن يرمموا ما خسروه في سنوات الحرب.
(السلطة للشعب)
ستحتاج البلاد إلى حالة وطنية شاملة، ولكي تكون وطنية فعليها أن تكون قائمة على مصلحة عموم المتضررين، وبأيديهم. والأساس في هذا: الوصول إلى اقتصاد يديرون موارده لمصلحتهم، وأدوات سياسية واجتماعية متطورة يستخدمونها لفرض ذلك، وتحقيقه. وكل من هذا وذاك هو جوهر عملية التغيير الاجتماعي الشامل، وهو المنعطف الذي سيعبره السوريون مدفوعين بالضرورة، وعبر التجربة، وصولاً للهدف.
وكل محاولة لقوى المصالح النخبوية لا الوطنية الشاملة، في تأخير مسار الناس، سيعني تأجيل هذه المستحقات الكبرى، وسيعني المواجهة مع ضرورات العيش لدى الأغلبية، والتي لن تكون معطلة سياسياً ومعزولة، حيث لن تكون هناك فيما بعد رحى حرب تطحن قدراتها، وتفرض عليها منطق القوة.
إن حل كل مشكلة جزئية من المشاكل الاجتماعية المليونية اليوم في سورية، سيتطلب بالضرورة نشاطاً سياسياً عالياً، لأنه سيتطلب موارد اقتصادية كبرى، وهذه لن يحصل عليها عموم السوريين بسهولة، بل فقط عبر الضغط والانتزاع والإدارة والمراقبة والتقييم الشعبي لكل نشاط اقتصادي تقوم به أية سلطة مستقبلية منتخبة.
مخطئ من يتصور بأن نهاية المعارك هي عودة إلى نقطة الصفر، أي عودة إلى البنية والظرف السياسي والاجتماعي والاقتصادي القابع قبل الأزمة، والمتوغل خلالها. فهذه البنية قد انتهت عملياً، منذ أن ولّدت أزمة تفاعلت إلى هذا الحجم، وأنتجت كل ما سبق من مظاهر الكارثة الإنسانية السورية... وهي لم تستمر وتنتعش إلا بفعل ضجيج الحرب. أما بعد أن تخمد المعارك، فإن كل ما نجم عنها سيطفو إلى السطح ويصبح قيد البحث.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 864
عد إلى الأعلى