السياسةُ تُطعِمُ خُبزاً..!

السياسةُ تُطعِمُ خُبزاً..!

لابدّ وأنْ مرّ معكم وأنتم تتابعون الأخبار السياسية لنشاطات بعض القوى والشخصيات السياسية السورية، مؤتمرات حول الشباب وأهميتهم ودورهم الحاسم في اللحظات التي تمر بها البلاد.

 

يبدو حقيقة أن في معظم هذه المؤتمرات_ إن لم نقل كلّها_ يلعب الشباب دوراً واحداً وهو: كونهم جمهوراً لها، ليس إلّا.. وليست هذه المؤتمرات والندوات فقط هي التي تستهلك الطاقة الحية لهذه الفئة، وتهدر وقتها وجهدها، فهناك الكثير مما يدعى بـ«منظمات المجتمع المدني»، والفِرَق التطوعية.. إلخ.. بغض النظر عن الغايات النبيلة لبعض المتطوعين.
الفصل الميكانيكي
بين شرائح المجتمع؟!
ما تعاني منه الطروحات العدة التي تتم في هذه المؤتمرات والندوات هو: مسألة الفصل الميكانيكي بين هذه الشريحة العمرية وبقية الشرائح، ويبررون ذلك على الدوام، بأن هذه الشريحة هي الأكثر تأثراً بما يحدث على الأصعدة جميعها، بينما واقع الحال أن الفئات العمرية جميعها في المجتمع، تتأثر بالتطورات المختلفة كلها، التي تطرأ على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إنما ما يميز الفئة الشابة، هو أنها الفئة الأكثر حيوية وتفاعلاً، وقدرة على التقاط الجديد، والسعي إلى التغيير، والإبداع بحكم خصائصها العمرية والنفسية.
لو عدنا بالذاكرة قليلاً، هناك مَنْ صَوّر موجات الحراك الشعبي منذ البداية بأنها «ثورة شباب»، وفي هذا الطرح، بالإضافة إلى فصل الشباب عن باقي فئات المجتمع عن طريق تصويرهم بأنهم وحدهم من يريدون التغيير، أو وحدهم من يثورون لأجل تحقيق مطالبهم، نجد من يضع الشباب في بوتقة واحدة، وكأن الشباب كلٌّ واحد بمطالبه وطموحاته ومفهومه للتغيير وهويته وانتمائه!، وهاتان المشكلتان (الفصل الميكانيكي بين شرائح المجتمع، ووضع الشباب ضمن إطار واحد ومحدد) تفرضان توضيح مفهوم الهوية الشخصية للفرد، سواء كان شاباً أم غير ذلك. لنوضح إذاً مفهوم الهوية ونعيد بناء الصورة، في إطار التأسيس السليم لدور الشباب وباقي فئات المجتمع، في عملية تغيير جدية، وحقيقة مأمولة ومنتظرة بفارغ الصبر من الجميع.
مفهوم الهوية؟!
يبدو للوهلة الأولى بأن مفهوم الهوية هو مفهوم شائك، لكن لو أردنا تحديده فيمكن أن نعبر عنه بأنه مجموع الانتماءات الشخصية للفرد، سواء أكانت فنية أو رياضية أو سياسية أو طبقية أو...إلخ.
في الحقيقة، هناك كمٌ هائل من الانتماءات الشخصية التي يمكن أن تورد في هذا الإطار، ولكن من بين هذه الانتماءات، هناك انتماء أساس، وانتماءات ثانوية. من وجهة نظرنا، فإن الانتماء الطبقي للشخص هو الانتماء الأساس له، وباقي الانتماءات هي انتماءات ثانوية مبنية عليه. وللهوية شأن تحديد الموقف من كل ما يحصل لدى الشباب وغيرهم، ولهذا لا يمكن البتة تصوير الشباب وزخرفتهم في لوحة فنية واحدة، ولا يمكن أيضاً الفصل تعسفياً بين شاب/شابة في أول العمر، ورجل/امرأة في سن متقدم طالما أن لهما الانتماء الأساسي نفسه، أي: ينتمون إلى شريحة طبقية واحدة بمعنى آخر، وشريحة طبقية واحدة يعني أن هناك تشابهاً إلى حد بعيد في عناصر الهوية بطبيعة الحال...
المطلب اليوم هو التغيير، فأي تغيير نريد؟ هناك من ينشد «التحرر» مثلاً كأهم عنصر من عناصر التغيير بنظره، وهناك من هو ضد إعادة توزيع الثروة في البلاد، في حين أن هناك من تقتضي مصلحته الطبقية ذلك التوزيع.. هناك من يهجس بلقمة عيشه في كل لحظة، وهناك من يملك كل ما يحتاجه ويفيض عنه، وهمّه الوحيد أن يمارس حريته الفردية الأنانية فيطالب بـ «التحرر».. لا معنى للحرية إن لم تكن حرية للجميع؛ حرية من قيود الاستغلال والفقر والحاجة، وحرية الجميع هي في إعادة توزيع الثروة لصالح الأغلبية الساحقة المهمشة والفقيرة في المجتمع.
من الصحيح، هناك من يكون فقيراً، ولا يطالب بتحسين حالته المعيشية، كمطلب أولي، وهذه الحالة هي الحالة التي لا تعي مصلحتها الطبقية، وهي حقاً موجودة، ودورنا وواجبنا هنا هو: الوصول لمثل هؤلاء وتوعيتهم، إن من نتكلم عنه بأنه ضد إعادة التوزيع للثروة، هو من يعي بالفعل بأن هذا الإجراء ضد مصلحته الطبقية.
نؤكد أن للشباب دوراً هاماً وضرورياً لإحداث التغيرات الإيجابية في البلاد، والتجارب التاريخية إن كانت في ثورة البلاشفة 1917، أو الثورة الكوبية 1953، تؤكد ذلك، ولكن السؤال هو: كيف يكون ذلك؟ هل مثلاً العمل الفردي يؤدي إلى تغيير؟
التنظيم مفتاح التغيير..
إن العامل الحاسم في خلق إمكانية التغيير هو التنظيم، وهذا بالطبع ما ينطبق على الفئات المجتمعية جميعها، وذلك لأن العدو الطبقي منظم كل التنظيم، وبيديه السلطة وقواها السياسية، ولديه أجهزته الإعلامية التي لا تكف عن التزوير واجتزاء الحقائق، والتلاعب بوعي البسطاء، و...إلخ.
لا يمكن للتغيير أن يحدث دون تنظيمٍ لقوى المجتمع كلها، وعرفت التجربة البشرية أداةً ما تزال فعّالةً حتى الآن في التنظيم، وهي: الحزب، وطالما أننا نتكلم عن تغيير لمصلحة الفقراء والمهمشين، فإن ما نقصده هنا ليس أي حزب، بل الحزب الثوري، أي: الحزب صاحب برنامج التغيير الحقيقي وليس شعار التغيير، أي: الحزب الذي يطرح «إعادة توزيع الثروة» لصالح السواد الأعظم من الشعب اليوم كإحدى أهم أولوياته.
إن ما افتقده الحراك الشعبي في سورية منذ البداية، هو التنظيم، وهذا مرتبط بتراجع مستوى الحريات الديمقراطية في البلاد، وتراجع الأحزاب السياسية عن أداء دورها الوظيفي المطلوب، وابتعادها عن الجماهير، وتزامن هذا مع ارتفاع مستوى حالة عدم الرضى عند الناس نتيجة التهميش، والسياسات الليبرالية المجحفة بحق الأغلبية، ما أدى عملياً إلى الخروج العشوائي وغير المنظم لهؤلاء، وهذا ما جعل البوصلة لهذا الحراك تضيع، وخصوصاً بوجود الأطراف التي كان هدفها منذ البداية حرف مسار هذا الحراك لكي لا ينتظم ولا يؤدي التغيير المطلوب الذي لا يناسب مصالحها.
لكن هيهات، فإن التجارب التاريخية لحراك الشعوب تُعلّم بأن الشعوب عندما تتحرك من أجل مصالحها، لا يمكن أن تعود للسكون إلا عندما تحقق مطالبها، وما حصل حتى الآن لا ينهي هذه العملية التي انطلقت، بل شكل عملياً معرفة حقيقية لدى هؤلاء الناس، تُعد ذخراً ثميناً لهم في حراكهم اللاحق الذي لا يتطلب إلا سِلْماً في البلاد، وانطلاقاً لعملية الحل السياسي المنشودة، والتي تبين المعطيات الجديدة أنها تتقدم باستمرار، رغم التعقيدات التي تظهر، والتي ما هي في نهاية المطاف إلا تعقيدات طبيعية تظهر أمام أيةِ عملية تغيير حقيقي.
«يا منهوبي سورية اتحدوا»
ما سنلخصه الآن فيما يخص الشباب وغيرهم، هو: أن الصراع الحقيقي والأساس في المجتمع هو الصراع الطبقي، أي: الصراع بين الناهبين والمنهوبين، أما الناهبون وأتباعهم فهم من تم الحديث عنهم بأنهم ضد «إعادة التوزيع للثروة»، وهم موجودون اليوم في النظام وفي المعارضة، وهم متفقون ومتوحدون في المصلحة العابرة لكل التقسيمات الثانوية؛ الطائفية والمذهبية والعرقية وحتى التقسيمات التي لها طابع (متدين/علماني) أو (مسلم/ملحد)..إلخ. وأما المنهوبون فهم أولئك الناس المطلوب منهم بأن يصبحوا كلّاً واحداً في الهجوم على ناهبيهم، والدفاع عن مصالحهم حتى الحصول عليها، متجاوزين بذلك الثنائيات الوهمية السابقة كلها، لأن ما يوحدهم هي المصلحة الطبقية، وهم موجودون في فئات المجتمع كلها..
هذا العصر هو عصر المنهوبين، هو عصر الشعوب، وكلمة الفصل اليوم للشعوب وليست لأحدٍ سواهم، وعليه فقد ولّى زمن «السياسة لا تطعم خبزاً»، ذلك القول المشؤوم الذي أثبتت التجربة أنه هو نفسه الذي لا يطعم خبزاً، فالخبز والكرامة والحرية والحقوق والتغيير، هي بالجملة ثمرة العمل السياسي الحقيقي والجاد والمطلوب من الجميع اليوم، وإنْ كان لابدّ من توجيه نداء، فالنداء الحقيقي اليوم بموازاة ومقاربة نداء ماركس الشهير، ليس أنْ «يا شباب سورية اتحدوا» كما يروّج البعض، بل: «يا منهوبي سورية اتحدوا».

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 853
عد إلى الأعلى