الرأسمالية والزمن الواقف والنفس الأمّارة بالسوء

الرأسمالية والزمن الواقف والنفس الأمّارة بالسوء

ما الذي تريد قوله المسلسلات الأجنبية لنا؟ إن من سيطر ويسيطر على العالم هي الشركات التي تتمتع بالحصانة والقدرة على الولوج إلى معلومات عن جميع ما يجري في العالم، وجميع من هو موجود فيه. أو أن هذه الشركات أصبحت تسيطر على البشر أفراداً ومجتمعات، لمصلحة فردية بزيادة عائداتها المالية. أو أن البشر هم أضعف من القيام بخطوات تغييرية جذرية تخرجهم من جحيم هذه المحرقة. أو أن البشر بطبيعتهم أشرار لا يقومون بالتعاطف إلا من أجل مصلحة ذاتية محض، وهي التي تتحكم بافعالهم، من دون التفكير بما قد ينتج عن أي فعل يقومون به، من دمار وموت للمجتمع.

قد يكون هذا، وقد يكون أن هذه المسلسلات التي تتمتع بمشاهدة عالية في العالم، تريد تثبيت فكرة السيطرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفردية للأشخاص، التي تتعلق بأفراد، وليس بأنظمة ثبتت هذه السيطرة. كما تريد تثبيت أن طبيعة النفس البشرية تطمح دائماً للوصول إلى القمّة، حتى لو كان على أشلاء الجميع.
تتمتع العديد من المسلسلات بهذه المواصفات، التي تريد من متابعيها التأكد أنهم محكومون بهذا الأسلوب من الحياة، من دون أن يمتلكوا القدرة على تغيير شيء، إلا البعض من العباقرة وذوي الشخصيات المميزة التي تختلف عن باقي الأفراد.
المرآة السوداء
المرأة السوداء مسلسل يعرض منذ 2011 تقريباً، بدأ عرضه على القناة الرابعة البريطانية، يحاول كاتباه عرض الآفات الاجتماعية والانصياع للتقدم التكنولوجي، عبر حلقاته المنفصلة، في نموذج جديد حسب قولهم. يأخذنا المسلسل من التطور المذهل في التكنولوجيا إلى انحطاط الأخلاقيات التي وصل إليها البشر، كما يصفها المسلسل. ما يبدو واضحاً في المسلسل، هو: الثبات في العلاقات الاجتماعية، والثبات في المشاكل الاجتماعية والنفسية حتى بعد مضي سنين، وحتى مع التطور التكنولوجي. وما لا يظهر واضحاً، هو: تعريف التكنولوجيا عند الكاتبين، أي: أنها أداة تحسن حياتنا، ولكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى موتنا، وتضخم مشاكلنا الاجتماعية. فتذكرنا بالأصوات التي تؤكد خوفها من التقدم التكنولوجي، وسيطرة الآلة الذكية على حياتنا، لتصبح المعيق الأول لنا. وكأن المسلسل يحاول إعادة هذه السردية وأبدية النفس البشرية الثابتة الشريرة، بطريقة «مبتكرة». هذا من دون ذكر السبب الذي سيجعل الآلة الذكية مسيطرة، والحل الجماعي للمشاكل الاجتماعية.  
لا يختلف المسلسل كثيراً عن مسلسل آخر، يحمل عنوان Fringe – وهو اسم قسم في أقسام التحقيقات الأمريكي الذي يدور حوله المسلسل-  يعرض على الشاشات الأمريكية الذي يحاكي أيضاً التقدم التكنولوجي والعلمي في المستقبل. واصفاً انتقال الشخصيات فيه بين واقعين متوازيين، ولكن الواقع الآخر– غير واقعنا– متقدم أكثر ويستطيع التحكم بالأفراد بطريقة فعالة أكثر. هنا يوضح لنا المسلسل أن من يسيطر على التقدم العلمي والتكنولوجي هي الشركات الخاصة، التي تتمتع بصلاحيات أكثر من مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية.
السؤال هو: لماذا على البشر استخدام التكنولوجيا والعلوم للسيطرة على بعضهم البعض؟ ولماذا علينا إذا كنا قادرين على اختراع آلات تنتقل بين عالمين (fringe) وتستطيع حفظ الذاكرة (black mirror) أن نحافظ على بعض الأعمال التي تتطلب مجهوداً جسدياً هائلاً. الذي تقوله لنا هذه المسلسلات،  ليس غير أن ما تصفه هو ما أنتجه النظام الليبرالي على مرّ عقود. وما ستصبح عليه الآلة واستعمالها في حال كان هذا النظام هو المسيطر عليها.
المؤسف، ليس في ما تظهره هذه المسلسلات فقط، بل في أنها ما زالت قادرة على تثبيت أفكار حامليها على المجتمع، حتى مع كل ما يشهده العالم من تغييرات سياسية وانهيارات اقتصادية. والمهمة السياسية لقوى التغيير في هذا المجال لا تقل أهمية عن غيرها (الاقتصادي السياسي المباشر) ليطال شريحة كبيرة من البشر، رغم المعيقات، وإنتاج البديل الثقافي الفني الذي يجب أن يرافق التغييرات السياسية.

موسومة تحت

الرأسمالية,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 849
عد إلى الأعلى