ترامب- سلمان: فاتورة الحب!

ترامب- سلمان: فاتورة الحب!

في الأيام القليلة الماضية، وللمرة الثالثة، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام تجمع انتخابي للحزب (الجمهوري» في ولاية مسيسبي، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، بما فحواه: أن على المملكة العربية السعودية دفع المزيد من الأموال في سبيل استمرار الولايات المتحدة في حمايتها.


إن هذا التصريح الفجّ للرئيس الأمريكي ليس الأول من نوعه في هذا السياق، حيث كانت هنالك تصريحات مشابهة موجهة للسعودية نفسها، بالإضافة إلى تركيا والاتحاد الأوروبي، ناهيك عمن تعتبرهم الولايات المتحدة أعداءً كالصين وروسيا وإيران.
الضغط على الحلفاء
من الجيد هنا ذكر تصريح ترامب حرفياً لـ (طرافته» و(استثنائيته»، حيث قال: (قلت صراحةً إلى الملك سلمان أنه لن يظل في الحكم لأسبوعين من دون دعم الجيش الأمريكي»... (نحن نحمي السعودية، ستقولون إنهم أغنياء… أنا أحب الملك، الملك سلمان، لكني قلت له، أيها الملك نحن نحميك، وربما لا تتمكن من البقاء لأسبوعين في الحكم من دون جيشنا، لذلك عليك أن تدفع».
عموماً، إن تصريحات الرئيس الأمريكي الحالي، والذي يعتبره الكثيرون سمجاً وفجاً وذا طبائع غير دبلوماسية، تعتبر مادة إعلامية دسمة لمختلف وسائل الإعلام، والتي تقوم بتوظيفها بما يخدم الجهات الممولة، لتكون الاستنتاجات عن معاني تلك التصريحات متضاربة ومنتاقضة في الكثير من الأحيان، ولكن ببعض التمعن للسياق التي تأتي فيه هذه التصريحات يمكن التأكيد على جملة من الحقائق:
أولاً: إنّ القوى الدولية الصاعدة والمنافسة للولايات المتحدة والمتمثلة تحديداً بروسيا والصين تقوم بتوجيه الأمور بالاتجاه المعاكس الذي تدفع نحوه الولايات المتحدة، مما ينتج انخفاضاً في درجة ضبط وتحكم الولايات المتحدة لمختلف المناطق في العالم وحلفائها ضمناً، الأمر الذي يدفعها نحو الضغط على أولئك الحلفاء في سبيل إعادتهم إلى بيت الطاعة الأمريكية.
ثانياً: إنّ هذا التوجه المتمثل بالضغط على الحلفاء ليس وليد (الحقبة الترامبية» كما يدعي جهابذة التحليل اليومي ونشرات الأخبار السريعة، وإنما بدأ عملياً مع ظهور ملامح التراجع الأمريكي في بداية العقد الحالي، فيما تمظهر جلياً في ولاية أوباما (الضغط على السعودية لانجاز صفقات سلاح بقيمة 60 مليار دولار في عام 2016، ومحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا انطلاقاً من قاعدة إنجرليك في العام نفسه).
ثالثا: إنّ وزن الولايات المتحدة، وتموضعها الحالي على الخارطة الدولية هو العامل الأساس الذي يدفع إدارتها نحو هذا السلوك وهذه التوجهات، وهو الأمر الذي يدفع شخصاً مثل ترامب إلى الواجهة، وليس كما يقال بأن ترامب هو الذي يغير التوجهات الأمريكية الحالية.
تحصيل أموال
يمكن القول: إن الضغط الأمريكي على آخر من تبقى من الحلفاء بغية تحصيل ما أمكن من الأموال، يعكس ويرتبط بمستوى الأزمة المالية التي وصلت إليها واشنطن، وتصريح ترامب اليوم ما هو إلا نقل للواقع إلى مستوى جديد من الخطاب المعلن والصريح، فالتعامل الأمريكي مع السعودية كمصدر للمال ليس بجديد، والسلوك الأمريكي هذا لا ينفصل عن مطالبة ترامب للدول الأعضاء في (الناتو» بدفع المزيد، ولا عن الضغط على الأوروبيين لشراء الغاز الأمريكي غالي الثمن عوضاً عن الروسي الأرخص.
من جهة أخرى، وباعتبار أن السعودية دولة منتجة للنفط، فإن الضغط الأمريكي هذا يأتي في سياق دفع الرياض نحو اتخاذ إجراءات تخدم واشنطن في إطار (حرب النفط»، وثنيها عن عقد اتفاقيات مع روسيا وإيران ضمن وخارج (أوبك»، قد تخدم السعودية ذاتها في نهاية المطاف، مما يدفع إلى مزيدٍ من التناقضات مع آخر من تبقى من الحلفاء.
تصريحات ترامب غير المسبوقة، دفعت السعودية للرد حفظاً لماء الوجه، فقال محمد بن سلمان في حوار مع وكالة (بلومبرغ» أن المملكة تشتري الأسلحة الأمريكية بأموالها ولا تحصل عليها مجاناً، وأن المملكة كانت موجودة قبل الولايات المتحدة الأمريكية بـ 30 عاماً.
لكن رغم هذه التصريحات، يمكن التأكيد على أن حديث ترامب إنما يدل على أن الولايات المتحدة بدأت ما يمكن اعتباره استنزافاً مباشراً لتلك البنى وأنظمة الحكم التي كانت تعتاش على الهيمنة الأمريكية، والتي تملك من السيولة المالية ما يجعل الضغط عليها مثمراً من الناحية المالية المباشرة، والذي بدوره ينم على أنّ طرق الاستنزاف غير المباشرة أصبحت عاجزة عن تحقيق مستويات الربح والهيمنة المطلوبة. إن هذا التحول لهو مؤشر حقيقي على حدة التراجع وتعمقه.

 

موسومة تحت

الولايات المتحدة الأمريكية, ترامب, السعودية,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 882
عد إلى الأعلى