المجتمع العادل يُنشئ بُنىً تحتية جيدة

المجتمع العادل يُنشئ بُنىً تحتية جيدة

كتب كريستوفر جونز مقالاً عن البنى التحتية المتداعية والمهلهلة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تزاود النُّخَب السياسية على بعضها في قضيّة إصلاحها وتمويلها. لكنّ هذه النخب قد نسيت وهي في خضمّ مزاوداتها المحمومة أنّ البنى التحتية ليست مجرّد خليط من المواد المادية المجتمعة مع بعضها البعض، وبأنّ: «إنجازات البنى التحتية الإعجازية التي تحققت في الولايات المتحدة قد حدثت عندما ساهم المواطنون في صناعة قراراتها...».


يعود الكاتب إلى التاريخ ليستدلّ منه على أنّ البنى التحتية لم تكن يوماً متوقفة على التقدم التقني فقط، بل على طريقة توزيع الثروة والضغط الشعبي الذي يجعلها متاحة في يد الجميع. فالأنابيب الداخلية والغاز والكهرباء التي ظهرت جميعها بشكل متزامن في القرن العشرين لم تكن بمتناول الجميع بل كانت حكراً على النخب القليلة: «وهو ما سمح لهم بزيادة سطوتهم على الأسواق والعمالة».

الإثراء من تعب القوى المنتجة
كمثال على ذلك سكك الحديد «الخيول الحديدية» التي تطورت في أمريكا في منتصف القرن التاسع عشر: «فالممارسات التمويلية الاحتيالية قد سمحت لجي كوك ولغيره من مستثمري عصر الذهب، بأن يثروا كثيراً عبر بيع أسهم سكك الحديد المتضخمة بشكل اصطناعي. وقد بينت الهبات الحكومية الكبيرة- التي كانت تحصل عليها شركات سكك الحديد- الأخلاق المشكوك فيها للعديد من المسؤولين المنتخبين. لكنّ النسب هي من استرعت ردّات الفعل الأكبر. فقد وجد الفلاحون ومالكو الأعمال الصغيرة بأنّ شركات سكك الحديد تجعلهم يدفعون أثماناً مرتفعة من أجل شحن بضائعهم، في حين أنّها تمنح الشركات الكبرى نسباً أكثر انخفاضاً. لقد كان أصحاب الأعمال الصغرى هم في الحقيقة من يعيلون روكفيلر وسويفت وكارنيغي».
لكنّ ملايين الأمريكيين وقفوا مع بعضهم البعض ليدفعوا لإيجاد تشريعات تكبح الشركات، وأهمها: اللجنة التشريعية التي أجبرت الشركات على تبني نسبة غير تمييزية، وهذا النضال هو الذي غيّر حياة عموم مواطني الولايات المتحدة إلى الأفضل، عبر جعل سكك الحديد خدمة أفضل ومقبولة التكلفة.
ولم يختلف الأمر فيما يخص الكهرباء. فقد بدا بعد عقدين من مجيء إديسون وغيره من المبتكرين، أنّ التقدم التقني لا يعني التقدّم العام على الإطلاق، فقد كانت الكهرباء باهظة التكاليف بالنسبة لمعظم الأمريكيين، فبعد خمسين عاماً على وصول الكهرباء بقيت ثلث منازل الولايات المتحدة خالية منها. لكنّ الضغط الشعبي والتنظيم في مجموعات لمواجهة الشركات قد أجبر الحكومة على فعل ما كانت تتجاهله: «لقد طالبوا بإيجاد لجنة عامّة للكهرباء لتقونن النسب ولتضغط على الشركات لتوسع من نطاق تغطية شبكاتها... وعندما كان يخفق الحراك، يتمّ الضغط على الحكومة لإنشاء إدارة الكهرباء الريفية عام 1935، وهو المشروع الذي زوّد قاطني الأرياف بالدعم الحكومي من أجل بناء خطوط كهربائهم الخاصة».

الحاجة إلى تحركات شعبية كبرى
ونوّه الكاتب: أنّ الوضع الحالي يحتاج إلى تحركات شعبية كبرى من أجل تخطي مشاكل البنية التحتية المهترئة: «ففي مثال مثير للغضب: آلاف الحالات مثل (زقاق السرطانات) في لويزيانا تكشف عن أنّ البنية التحتية قد كانت نقمة على مجتمعات الأقليات والمجتمعات الفقيرة أكثر منها نعمة... لكنّ التاريخ يثبت بأنّ الناس قد استطاعوا تغيير خطط البنى التحتية من كونها أداة للنخب إلى شبكات تمنح العامّة الخدمات اللائقة».
وينهي الكاتب مقاله بالقول: «ليست البنى التحتية مجرّد إسمنت وأنابيب وشبكات: إنّها مجموعة متكاملة من الأنظمة المادية والاجتماعية والسياسية التي تزوّد الأفراد بالفرصة للاشتراك بشكل كامل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية».

موسومة تحت

الولايات المتحدة الأمريكية, البنية التحتية,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 873
عد إلى الأعلى