العقوبات الأمريكية على روسيا والرد القاسي

العقوبات الأمريكية على روسيا والرد القاسي

فرضت الولايات المتحدة حزمة عقوبات جديدة على روسيا، يوم الجمعة 6-4-2018، شملت أشخاصاً، ومصارف، وشركات نفطية روسية... بالإضافة إلى عقوبات على تداول السندات والأوراق المالية الصادرة عن المصرف المركزي الروسي.

 

النتائج السلبية المباشرة
العملة الروسية، والأوراق المالية السيادية كانتا أول المتأثرين، انخفاضاً، حيث انخفض الروبل مقابل العملات الرئيسة جميعها، بنسبة 3% مقابل الدولار واليورو خلال أربعة أيام من الإعلان عن العقوبات. فبينما كان الدولار حوالي 60 روبل، ارتفع ليصبح حوالي 77 روبل. بالإضافة إلى خسارة بعض الشركات الكبرى المعاقبة، حيث كانت شركة «روسال» هي الخاسر الأكبر، وهي المنتج الأكبر عالمياً لخامات الألمنيوم، والتي خسرت 50% من قيمتها في هونغ كونغ، بالإضافة إلى خسائر لكبار الأثرياء الروس بمليارات الدولارات خلال أسبوع، والمصنفين في قائمة فوربس لأثرياء العالم.
ولكن العملة أبدت مرونة عالية، وعادت للارتفاع خلال أسبوع تقريباً، ليعود الروبل إلى مستوى 62 مقابل الدولار خلال الفترة بين 6-12 من شهر نيسان الحالي.
كذلك الأمر بالنسبة للأوراق المالية الروسية، ويرى المحللون بأن هذا يعود إلى قوة هذه الأوراق، وتحديداً السندات الروسية بالروبل والدولار، التي كانت من أعلى سندات الدين في الدول الصاعدة إيراداً خلال الفترة الماضية، ولكن الأهم من هذا وذاك، هو: ارتفاع أسعار النفط العالمية خلال الفترة الأخيرة، والذي يؤدي مباشرة إلى تحسن في الميزانية الروسية، وبالتالي في قيمة الروبل.
ولكن هذا لا يعني بأن العقوبات لا تشتمل على مخاطر مالية واقتصادية، فبعض المحللين الروس يرون بأن التضخم مرشح للارتفاع، وقد يودي بالنمو الاقتصادي إلى مستوى الصفر، أو أقل بعد أن تعافى النمو الاقتصادي الروسي بعد أزمة النفط في عام 2014.
الخطر الأساس يراه المحلل الروسي، كاتاسانوف، كامناً في هجرة رؤوس الأموال الكبرى من روسيا، ومن مخاطر السياسات الليبرالية لدى بعض القوى الاقتصادية الروسية، والأخطر لدى المصرف المركزي، والذي يحذر كاتاسانوف من سعيه إلى تعويم العملة الروسية، ما قد يؤدي إلى انهيارها وفق توقعاته.
جانب إيجابي
العقوبات الأمريكية الحالية على روسيا، قد تحقق أضراراً اقتصادية فعلية، وقد تشكل تحدياً أمام تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية الكبرى، التي صاغها الرئيس الروسي في خطابه قبل الانتخابات الروسية الأخيرة. إلّا أنها قد تحقق أيضاً فائدة هامة، وهي تسريع المواجهة مع قوى المال الكبرى في روسيا، والتي تدفع باتجاه مسارات اقتصادية ليبرالية تضعف الاقتصاد الروسي إلى حدٍ كبير.
إن سلسلة العقوبات الغربية على روسيا منذ عام 2014 قد أدت إلى تحويل جزءٍ هامٍ من الاستثمارات الروسية الحكومية إلى قطاعات الإنتاج الحقيقي، وتحديداً في الزراعة والصناعة، وحولت روسيا إلى المصدر العالمي الأكبر للمنتجات الزراعية، وتحديداً القمح، وزادت من الناتج الصناعي الروسي. كما أنها قيدت تلقائياً منافسة البضائع الأوروبية للبضائع الروسية في الداخل الروسي.
ودفعت العقوبات أيضاً إلى تعميق العلاقات الاقتصادية الروسية والصينية، فأصبحت روسيا المصدر الأول للنفط إلى الصين، وتوسع التبادل التجاري بين الدولتين بنسبة كبيرة، لتصبح الصين الشريك التجاري الأول لروسيا، وكذلك توسع التبادل التجاري بين البلدين بالعملات المحلية. والأهم: أن روسيا بدأت تستعد للعقوبات الأوسع على قطاع النفط والمال، والتي طبق جزء منها الآن، ويتوقع أن تتوسع لاحقاً. وذلك بتوسيع دائرة التعامل التجاري بالعملات المحلية مثل: الحديث عن تجارة النفط بين روسيا وتركيا وإيران بالعملات المحلية، بالإضافة إلى تجهيز منظومة تبادل مالي ومعلوماتي روسية محلية بديلة عن منظومة «سويفت» الغربية، التي قد توقف الشركات الروسية العاملة ضمنها عن العمل بشكل شبه كلي، ولذلك تم منذ عام 2017 الإعلان، بأن المنظومة المحلية البديلة جاهزة، وبدأت الشركات الروسية بالانخراط بها.
الردود
تشير روسيا إلى احتمالات الرد على العقوبات بجملة من الإجراءات، من بينها: منع تداول الأوراق المالية الأمريكية، بالإضافة إلى احتمال توسيع المنع ليشمل مجموعة من البضائع الأمريكية. وفق ما صرح عنه مدفيديف رئيس الحكومة الروسية. حيث إن التجارة بين البلدين تقارب 24 مليار دولار أمريكي في عام 2017، من بينها 17 مليار دولار صادرات روسية إلى أمريكا، لذلك فإنه يشير إلى أن الردود يجب ألّا تؤدي إلى الإضرار بالمنتجات الروسية.
جزء آخر من إجراءات الرد الروسية على العقوبات الأمريكية، هو: منع تصدير قطع التيتانيوم الروسية الداخلة في صناعة طائرات البوينغ الأمريكية، وفق ما صرح به السيناتور الروسي ريابوخين. وهي واحدة من المعادن النادرة الموجودة في الأراضي الروسية، والتي تزود بها الولايات المتحدة، والضرورية لدورة الانتاج التكنولوجية في صناعات الطيران في شركة بوينغ. حيث إن التيتانيوم الروسي يؤمن نسبة 40% من حاجات بوينغ، ونسبة 60% من حاجات إيرباص الأوروبية. بالإضافة إلى أن روسيا قد تمنع تزويد ناسا والبنتاغون بالمحركات الروسية الفضائية.
وكان قبلها وزير الطاقة الروسي قد صرح، أن روسيا تبحث خيار مدفوعات قطاع النفط بالعملة المحلية، وتحديداً مع دول محددة، مثل: إيران وتركيا. حيث وفق تصريحاته فإن كلتا الدولتين أبدتا حماسهما تجاه الفكرة. لأن كلتيهما تريان بأن عملتيهما المحليتان بحاجة إلى الدعم، وسط تراجع في قيمتيهما. واعتبر المسؤول الروسي بأن الأمر يتعدى الرغبات، وينتقل إلى حاجة في الدول الثلاث، ولكنه يتطلب في الوقت ذاته، إجراءات مالية محددة، في القطاعات الاقتصادية والمصرفية. وكان كلا البنكين المركزيين التركي والإيراني قد وقَّعا في العام الماضي اتفاقية لاستخدام عملتيهما المحليتين في التجارة البينية.
بإمكان الإجراءات العقابية التي قد تفرضها روسيا على الولايات المتحدة الأمريكية، أن تلحق ضرراً حقيقياً بالاقتصاد الأمريكي، وخاصة في قطاع الطاقة والتكنولوجيا والمال، وهو ما يبدو أنه أصبح ضرورة لردع واشنطن، وتقييد أدواتها المتبقية بفرض العقوبات بغرض الضغط والابتزاز السياسي وعرقلة صعود خصومها.

موسومة تحت

الولايات المتحدة الأمريكية, روسيا, العقوبات الاقتصادية,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 858
عد إلى الأعلى