مصير قطر.. نموذج للدول التابعة

مصير قطر.. نموذج للدول التابعة

في الخامس من تموز عام 2017 بدأت كل من الإمارات والسعودية والبحرين بصياغة مشروع «كبش فداء» الهزيمة الأمريكية في سورية، وتغير موازين القوى في الإقليم بشكل عام لغير مصلحة الأمريكي وأدواته في المنطقة.

 

بتوصيف أدق، يمكن القول: إن المجموعة الخليجية بدأت بالتخلي عن قطر وتحميلها مسؤولية ما جرى من إخفاقات إلى حينه في سورية والمنطقة، مع مشاركة مصرية لها دوافعها الخاصة في مشروع الحصار هذا، فإلى أي مدى يمكن أن تمضي الأمور؟ وما هي فحوى المواقف الأمريكية المتناقضة والملتبسة كالعادة في هذه المسألة؟
مشروع «قناة سلوى»
بدأ الأمر، وبعد سلسلة من الذرائع غير المقنعة، بمجموعة من الإجراءات الاقتصادية، والدبلوماسية كطرد سفراء، وعقوبات تجارية ضد الدولة الصغيرة نسبياً، ليصل الأمر إلى إغلاق المجال الجوي في وجه الطائرات القطرية، ووقف التعاملات المالية والتجارية كافة مع قطر، متقدمين بمجموعة من المطالب وهي في الحقيقة ذرائع، وأهمها: إغلاق قناة «الجزيرة» وفك الارتباط مع جماعة «الإخوان المسلمين».
مؤخراً بدأت السعودية بإجراء، يمكن اعتباره نوعياً إلى حد ما، يتمثل بشق قناة مائية بحرية «قناة سلوى» على طول الحدود مع قطر لتحويلها إلى جزيرة، وإقامة قاعدة عسكرية مقابل الحدود القطرية، لتصبح قطر معزولة عن العالم الخارجي برياً. وذلك بإشراف تحالف استثماري يضم تسعة من شركات القطاع الخاص، وستسند عمليات الحفر والشق لشركات مصرية ذات تجربة بعد شقها قناة السويس، حيث يتوقع أن ينتهي المشروع في غضون 12 شهراً.
الموقف الرسمي المعلن للولايات المتحدة، اعتبر أن هذا المشروع «سيزيد من حدة الصراع»، بينما علق وزير الخارجية القطري على المشروع قائلاً: « تلك أمور لا قيمة لها ولا يمكن التعليق عليها».
دور الولايات المتحدة
يستطيع أي متابع لنشرة الأخبار اليومية منذ بدء الأزمة الخليجية، الانتباه إلى أن دور الولايات المتحدة العلني لم يتجاوز إبداء القلق الدبلوماسي، والدعوة إلى ضبط النفس، وعدم الانجرار إلى ما يمكن أن يعقّد الأمور، أي بعبارة أخرى، فإن الولايات المتحدة تتفرج بكل معنى الكلمة، ودون تحريك ساكن، وهنا ينبغي التأكيد على جملة من القضايا:
أولاً: من غير المقنع أن تقوم المملكة السعودية باتخاذ خطوات استراتيجية سياسية دون مشورة وموافقة أمريكية أولية على الأقل في هكذا مسائل، أي: إنه من غير الممكن اعتبار الدور الأمريكي الفعلي دوراً حيادياً ومراقباً فقط، بل أن الموقف العملي كان ابتزاز الحليفين معاً، رغم أنهما يعتبران تاريخياً، أهمم مولين للمشاريع الامريكية، في سياق سياسة التبعية المزمنة، لحكام الخليج.
ثانياً: قبل أن يصبح ترامب رئيس البيت الأبيض، وأثناء حملته الانتخابية، قالها صراحةً: على دول الخليج أن تدفع، وهنا نشير إلى أن الولايات المتحدة قامت منذ الأزمة بين القطريين وأقرانهم الخليجيين، ببيع كميات ضخمة من الأسلحة للطرفين معاً، دون أن يتجرأ أحد على الزعيق خارج السرب.
ثالثاً: إن الدفع بقطر لتكون «كبش الفداء» للمشاريع الأمريكية في المنطقة عموماً، وسورية خصوصاً، يؤكد المقولة التالية: إنّ الأكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة الأمريكية سيكون أكبر من يدفع فواتير التراجع الأمريكي، بالإضافة إلى قيمة صكوك الغفران الأمريكية التي لعل وعسى تنجو بمشتريها بعد التراجع المحتوم.
فيما يخص قطر
إن قطر التي تُعتبر من أصغر الدول الخليجية مساحةً وسكاناً، لا يمكن أن تصمد في وجه الحصار الخليجي دون الارتكاز إلى نقاط استناد، تتمثل، في الاقتصاد القطري الوفير بالنفط والغاز، مما يخفف من حدة رفع قيمة فواتير الاستيراد بالرغم من موقع قطر الذي لا يساعدها أبداً في إطار اشتباكها مع الخليجيين، بالإضافة إلى محاولة العائلة الحاكمة للعب على التوازنات الاقليمية، والدولية التي أعطت بعض الدول الإقليمية، ولا سيما تركيا وإيران، القدرة على التحرك أكثر من السابق، دون الاكتراث للوزن الأمريكي بدرجة ما، بالإضافة الى دور الانقسام الامريكي نفسه.
نستطيع أن نقول أخيراً: إن التراجع الأمريكي العام على المستوى العالمي، أدى وسيؤدي الى تفسخ كامل منظومة التبعية السابقة، وزيادة تناقضاتها، ليس في قطر والسعودية فقط، بل على المستوى الدولي عموماً، وذلك رغم المحاولات الجارية لإصلاح ذات البين بين الاخوة الاعداء في الدوحة والرياض.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 858
عد إلى الأعلى