قطن الرقة حسابات الحقل والبيدر؟

قطن الرقة حسابات الحقل والبيدر؟

فلاح محافظة الرقة المنتج للقطن رغم صموده وبقائه على تواصل مع أرضه المنتجة، ورغم جهوده المبذولة وتعبه، ورغم الصعوبات والمعيقات كلها التي واجهها، إلا أن موسمه كان خاسراً لهذا العام، ليس بسبب كم ونوع الإنتاج، بل بسبب التكاليف والأسعار، والتحكم بهما استغلالاً.


مراسل قاسيون
محافظة الرقة تأتي في المرتبة الثانية بعد الحسكة على مستوى إنتاج محصول القطن الاستراتيجي، ومما لا شك فيه أن الزراعة في محافظة الرقة أصابها الكثير من التراجع خلال السنوات الماضية، وذلك بسبب سيطرة إرهابيي «داعش» عليها، وممارساتهم السلبية التي انعكست على نواحي الحياة كافةً الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الإنتاج الزراعي عامة، ومحصول القطن خاصة، مع الانعكاسات السلبية كلها لذلك على معيشة الفلاحين، كما على الإنتاج الوطني بالنتيجة.
خيبة أمل!
لقد استبشر الفلاحون خيراً بعد دحر «داعش» من المنطقة، آملين بأن تنتعش حياتهم المرتبطة بالأرض والإنتاج، خاصة وأنهم بذلوا جهودهم المعهودة في زراعة موسم القطن الحالي على أتم وجه، وقد استعان الكثير منهم بالاقتراض والاستدانة بالفائدة من بعض الممولين من ممتلئي الجيوب المستغلين، من أجل الإنفاق على تكاليف عملية الإنتاج المرتفعة، إلا أن حسابات البيدر لم تطابق حسابات الحقل، وقد كانت النتيجة وبالاً على هؤلاء الفلاحين بتكبدهم خسارات ستنعكس سلباً من كل بد على حياتهم ومعاشهم مع أسرهم.
أحد الفلاحين تحدث عن موسم القطن لهذا العام قائلاً: «أملك 21 دونماً مزروعة قطناً في حويجة السواقي، تروى من نهر الفرات مباشرة، كانت الكلفة التي أنفقتها على المحصول هي/1485000/ مليون وأربعمائة وخمس وثمانون ألف ليرة سورية، وقبضت ثمن المحصول من التاجر العائد أو التابع لـ «قسد» /1050000/ ل. س تنقصها عشرون ليرة سورية».
حديث الفلاح أعلاه يعني: أنه قد تكبد خسارة محققة لهذا الموسم تقدر بحدود 500 ألف ليرة، وهو ليس استثناءً عن غيره من الفلاحين الآخرين في المنطقة، الذين تكبدوا خسائر مشابهة، ما يعني أن أملهم بالانتعاش قد أصيب بخيبة كبيرة، وستنعكس سوءاً على معاشهم كما على إنتاجهم اللاحق في المواسم المقبلة، مع ما يعنيه ذلك من إضرار مباشر بمحصول القطن الاستراتيجي ومآله.
تفاصيل رقمية
عن تفاصيل تكاليف عملية الإنتاج التقريبية لكل دونم أرض مزروع بالقطن، فقد تم تفنيدها من قبل الفلاح حسب التالي:
(سماد يوريا 52500 ل.س_ تعشيب 3000 ل.س_ ري 1500 ل.س_ قطاف 3750 ل.س_ مبيدات حشرية 1200 ل.س_ شل فارغ 1600 ل.س_ زراعة البذور تقبيع 700 ل.س_ فلاحات 7700 ل.س_ بذور غير محسنة 3000 ل.س_ أجور نقل وعتالة وشاحنات 1200 ل.س) وبمجموع قدره 76470 ل.س لكل دونم، مع عدم إغفال الأرباح المحققة في جيوب بعض التجار المستغلين المتحكمين ببعض مدخلات الإنتاج، الذين يفرضون أسعاراً احتكارية على الأسمدة والمبيدات والبذار وغيرها، ويضاف إليها الكثير من النفقات النثرية الأخرى، ناهيك عن التعب والجهد المبذول من الفلاح طيلة فترة زراعة الموسم والاهتمام اليومي فيه.
يضيف الفلاح: إن وسطي الإنتاج هو 250 كغ قطن لكل دونم واحد من الأرض، وقد فرضت قوات سورية الديمقراطية أسعارها على الفلاحين، كونها القوة المسيطرة في المنطقة، وقد كان السعر الأعلى المقرر من قبلها هو 270 ل.س لكل كغ قطن محلوج، أي: أن قيمة إنتاج كل دونم أرض هو 250×270= 67500 ل.س، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفلاح يضطر للتخلي عن البذار لصاحب المحلج مقابل عملية الحلج، وهي خسارة إضافية غير محسوبة بالتكلفة أعلاه.
أما الحسابات النهائية لمجمل عملية الإنتاج، فهي عبارة عن خسارة محققة لكل دونم أرض وقدرها 8970 ل.س، وذلك هو الفارق بين 76470 ل.س تكاليف الإنتاج، وبين 67500 ل.س قيمة الإنتاج الفعلي حسب سعر البيع المفروض، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم احتساب النفقات النثرية الأخرى المضافة على التكاليف، بالإضافة لمبلغ الفائدة المترتبة لصالح المقرضين في نهاية الموسم.
سلسلة مستغلين
الجائر في الأمر وحسب روايات فلاحين، أنه تم حصر بيع المحصول عبر قوات «قسد» لأحد التجار المتعاونين معها والعاملين تحت إشرافها استغلالاً، مع فرض العقوبات بحق المخالفين، تتمثل بمصادرة المحصول، وبعقوبات أخرى لها الطابع الشخصي بحق الفلاحين الذين يحاولون نقل محصولهم إلى مناطق سيطرة الدولة في المحافظات القريبة.
لكن اللافت بالموضوع أن قوات «قسد» تحاسب الفلاح بسعر 270 ل.س كحد أعلى لكل كغ قطن محلوج، فيما تحاسب التاجر بسعر 375 ل.س، أي: أنها تحقق أرباحاً صافية قدرها 105 ل.س لكل كغ قطن محلوج، على حساب الفلاح وتكاليفه المرتفعة واستغلالاً لتعبه، وخسارته بالنتيجة، أي: أنها تجني عشرات الملايين من رقاب الفلاحين ككل وعلى حساب تعبهم.
في المقابل، إن التاجر يقوم بنقل الإنتاج إلى تركيا، عبر اعزاز في ريف حلب، تهريباً أو تنسيقاً مع القائمين على ممرات العبور والتهريب، ليبيعه هناك بمبلغ 575ل.س لكل كغ واحد إلى معامل القطن، وهو هامش ربحٍ مضافٍ كبير في جيبه الخاص، أيضاً يقدر بعشرات الملايين من الليرات السورية الأخرى.

حسابات الجيوب والسياسة

الجلي في الأحوال جميعها هو: أن حسابات الجيوب والأرباح تختلف عن حسابات المواقف والمزاودات السياسية التي تطنب بها آذان المواطنين عموماً، والفلاحين خصوصاً، في الرقة أو سواها من المناطق التي تسيطر عليها «قسد»، أو غيرها من القوى المسيطرة الأخرى، فلكل منها بيدره الرابح دون عناء الحقول المُستغلة من قبلهم.
والنتيجة: هي أن الفلاح «الرقّاوي» الذي استبشر خيراً بموسم القطن الحالي، وربما كما غيره من الفلاحين في المناطق الأخرى، بعد كل الجهد والتعب والعناء آملاً بانتعاش حياته، كان خاسراً أوحداً من إنتاجه، فيما جنت «قسد» والتاجر المحتكر عبرها، بالإضافة لمعامل الأقطان في تركيا، أرباحاً كبيرة في جيوبهم وحساباتهم، على حساب الفلاح واستغلالاً له، كما على حساب الإنتاج من محصول القطن الاستراتيجي، والاقتصاد الوطني عموماً.

موسومة تحت

الرقة, القطن,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 836
عد إلى الأعلى