مشروع تدوير المصالح

مشروع تدوير المصالح

نُقل عن جهات حكومية: «إن مشروع قانون تدوير الأنقاض يدرس حالياً في مجلس الشعب، كاشفاً أن المشروع يسمح للوحدات الإدارية والبلديات بالدخول إلى الأملاك الخاصة لإزالة الأنقاض».

وأن: «إن هذا المشروع يأتي لصالح المواطن، وخصوصاً أن هناك أشخاصاً دمرت أبنيتهم بشكل جزئي أو كلي ليس لديهم إمكانية لإزالة الأنقاض».
عن أي تدوير للأنقاض يتم الحديث في أروقة الحكومة ومجلس الشعب، وأية سماحية تنتظرها الوحدات الإدارية للدخول إلى الأملاك الخاصة التي سبق وأن استبيحت؟ وكأن وزارة الإدارة المحلية، كما الحكومة، تعيش خارج الزمن!
تدوير تعفيشي!
الأملاك الخاصة التي يتم الحديث عنها سبق وأن انتُهكت، فالدمار الجزئي والكلي أتى عليها، كما تسابقت على ما تبقى من موجوداتها أيدي العابثين سرقة وتعفيشاً، ليس على مستوى الفرش والأثاث والكهربائيات فقط، بل حتى على الكسوة الداخلية والخارجية للأبنية والمنازل، من تمديدات مياه وكهرباء وبلاط وحنفيات، وصولاً إلى الأسلاك الكهربائية النحاسية الممدة داخل الجدران.
وواقع الحال يقول: إن ملكيات الناس كما أنقاض بيوتهم سبق وأن تم تدويرها وأصبحت أرباحاً في جيوب الكبار والصغار، من معفشين ومن خلفهم من التجار والسماسرة، وكل حسب اختصاصه، فهذا لتدوير للحديد، وذاك لتدوير النحاس، وغيره لتدوير الكهربائيات، وهكذا من اقتسام على التدوير التعفيشي، وهو أمر ليس بالجديد، ومن غير المقنع أن تكون الحكومة ووزاراتها وجهاتها العامة غير عالمين بما جرى بحق هذه الملكيات ومآلها حتى الآن، خاصة وأن عمليات السرقة والتعفيش طالت الملكيات جميعها في غالبية المناطق والبلدات التي تمت استعادة السيطرة عليها، والاستثناءات غير ذلك تكاد تكون نادرة ومحدودة جداً.
حقيقة مصلحة المواطن
أما عن مصلحة المواطن، التي غالباً ما يتم التغني فيها لتسويق بعض المشاريع التي تصب في مصالح الكبار من التجار والسماسرة والمتعهدين، أو لتبرير التأخر على مستوى أداء بعض الجهات الحكومية لمهامها، فهي في مكان آخر تماماً.
فمصلحة المواطن هي: أن يعود إلى بلدته وقريته، التي نزح عنها مرغماً، بعد أن تمت استعادة السيطرة عليها من قبل الدولة، والسماح له بأن يعمل على ترميم ما يمكن ترميمه بإمكاناته، سواء لبيته أو لأرضه، مع تقديم المساعدة الممكنة كلها من أجل تنفيذ ذلك عبر الجهات الحكومية والوحدات الإدارية، كما أن من واجبات هذه الجهات والوحدات، أن تعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية التي طالها الدمار الجزئي والكلي في أسرع وقت، بالإضافة لإعادة تقديم الخدمات العامة في هذه المناطق تسهيلاً لعودة أهالي هذه البلدات والمناطق، من أجل استعادة حياتهم ونشاطهم، مع التأكيد على حق هؤلاء بالتعويض عما أصاب ممتلكاتهم من أضرار.
مصالح الكبار!
أما عن المشاريع المزمعة في هذه المناطق، والتي يتم الحديث بأنها تصب في مصلحة المواطن، فهي ليست كذلك على ما يبدو!
فقد تحدث الجهات الرسمية عن تنظيم بعض المناطق التي عاد إليها الأمان مثل: داريا في ريف دمشق، وبأنه: «يمكن أن تدخل هذه المناطق ضمن المناطق التنظيمية، ولاسيما تلك التي تشكل محيطاً حيوياً لمدينة دمشق، كاشفاً عن تشكيل لجنة من محافظتي دمشق وريفها لدراسة هذا الموضوع، وخصوصاً داريا التي لا تبعد كثيراً عن المدينة».
الحديث أعلاه، يشير عملياً إلى إمكانية تطبيق المرسوم 66، خاصة وأن ذلك أُعلن عنه رسمياً في وقت سابق، مع ما يعنيه ذلك من سلبيات ستطال أهالي داريا وأملاكهم وأراضيهم، فالمشروع على هذه الأرضية يصب عملياً في مصلحة كبار تجار العقارات والسماسرة والفاسدين بعيداً عن مصالح هؤلاء، تماماً، كما هي حال مشروع خلف الرازي، وربما ما سيزيد من سوء الأمر على أهالي داريا أنهم بعيدون عن أرضهم وأملاكهم بحكم الأمر الواقع المفروض عليهم باستمرار منعهم من العودة إلى بلدتهم حتى الآن، وبالتالي فإن أعمال اللجان المختصة بالمسح السكاني كما بحساب مساحات الأراضي وتثبيت حقوق الملكيات، لن تقوم بمهامها حسب ما هو منصوص عنه بموجب المرسوم، فكيف ستصان الحقوق في ظل هذا التغييب القسري، ولماذا الإصرار على استمرار منع العودة ولمصلحة من بالنتيجة؟
ثقل عامل الزمن النسبي
النقطة الأخيرةفي حديث الجهات الرسمية هي أنه «كشف عن تأهيل ثلاثة آلاف منزل في عدة محافظات العام الحالي، وأنه من المخطط أن يتم تأهيل أكثر من ذلك في القادم».
الرقم المعلن على لسان معاون الوزير يعتبر صادماً، فإذا كانت الدولة بإمكاناتها كلها لم تستطع خلال عشرة أشهر، من بداية العام وحتى الآن، سوى تأهيل ثلاثة آلاف منزل على مستوى المحافظات، فهل لنا أن نقدر المدة الزمنية لإعادة تأهيل المنازل المتبقية جميعها؟ ربما الحديث هنا عن عقود من الزمن وليس سنين معدودة فقط!
على ما يبدو أن عامل الزمن الثقيل على المواطنين الذين ينتظرون العودة إلى مدنهم وبلداتهم ومنازلهم من أجل استعادة حياتهم ونشاطهم، هو غير ذلك بالنسبة للحكومة، كما أن مصالح هؤلاء تأتي في المرتبة الثانية بعد مصالح كبار التجار والسماسرة، ومن خلفهم في ظل الاستمرار بالسياسات نفسها المحابية لهذه الشريحة ومصالحها.

أولويات واهتمامات!
السؤال الذي يتبادر للأذهان: لماذا لا تتم دراسة مشروع قانون من قبل مجلس الشعب يفرض بموجبه عودة الأهالي إلى مدنهم وبلداتهم وأرضهم وإنتاجهم، مع تقديم العون اللازم كله لهؤلاء تسهيلاً لتلك العودة، اعتباراً من التعويضات وليس انتهاءً بالخدمات؟
فموضوع إزالة الأنقاض وتدويرها، الذي يتم الحديث عن دراسة تشريع خاص بها، ومع عدم تغييب مصالح شريحة السماسرة والتجار التي ستتحقق عبره، ربما فيه بعض الأهمية، ولكنه في المقابل يعتبر صغيراً جداً أمام احتياجات الناس وأولوياتهم، وحياتهم ومستقبلهم وأهميتها التي من المفترض ألا تسبقها أهمية أخرى.
أخيراً، ربما من الواضح أنه في ظل الاستمرار بهذه السياسات الليبرالية رسمياً، لا يمكن أن نتوقع إلا المزيد من تدوير المصالح لتصب أرباحاً في جيوب الكبار على حساب المزيد من الاستنزاف والإفقار لبقية الشرائح الاجتماعية، وعلى حساب معيشتهم، كما على حساب استقرارهم ومستقبلهم.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 836
عد إلى الأعلى