حرب التكلفة والسعر ثانوية!

حرب التكلفة والسعر ثانوية!

الحديث عن معادلة التكاليف والأسعار بات مستهلكاً، على الرغم من استمرار مفاعيل المعادلة السلبية على حياة ومعيشة المواطنين واستنزافها، في ظل تغييب التردي المستمر على المستوى المعيشي وارتباطه بمعادلة الدخل والإنفاق.

ولعلنا لا نبالغ في القول: أن أكثر من استهلك المعادلة الأولى حديثاً وتصريحاً ووعوداً، هم الرسميون الحكوميون، من وزراء ومدراء عامين وأشباههم، بينما تم استهلاكها إعلاماً وأبحاثاً وأرقاماً بدرجة أقل، في حين بقيت حال المواطن على حالها من البؤس والجوع والعوز والاستغلال.
معارك هامشية!
الأكثر بروزاً واستقطاباً على مستوى التصريحات والقرارات عن هذا الجانب كانت: وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ليس من خلال نشرات أسعارها الدورية، المركزية واللامركزية، أو ما درج على تسميته من حروب تشنها الوزارة هنا وهناك: من أجل إعادة النظر بأسعار التكلفة لبعض السلع والمواد فقط رغم أهميتها، بل من خلال أوجه التناقض الصارخة كمفرزات لهذه النشرات، والحروب في الأسواق، ومن الجيوب المتعبة استنزافاً واستغلالاً.
من حرب المتة إلى معركة الشاورما، وصولاً لقذائف الطحينة والحلاوة، وغيرها من الشظايا التي تطال المستهلكين في نهاية المطاف، دون أن تؤثر عملياً على معيشتهم ومعاشهم، بالشكل الإيجابي الذي تسوّق من خلاله هذه الحروب وتبرر المعارك الدائرة بفلكها، وذلك كونها جانبية وهامشية لا تطال جوهر القضية.
الذكاء قيد الاختبار
حال المتة والصراع حولها بين التكلفة والسعر، على سبيل المثال، جعل منها أحد أشكال اختبارات ذكاء البطاقة التي تم توزيعها على المواطنين من أجل مازوت التدفئة، ولاحقاً على غيرها من المواد الأساسية، حسب ما تم الحديث عنه تسويقاً وترويجاً لها، ولا ندري بعد نتائج اختبارات هذا الذكاء بالنسبة لهذه المادة، ومدى فاعلية ذكائها المفترض على المواطنين ومصالحهم، كما لا أحد يعلم أفق هذا الصراع ومآله، علماً أن مادة المتة لا يمكن في حال من الأحوال اعتبارها من المواد والسلع الأساسية، على الرغم من معدلات استهلاكها المرتفعة، فكيف من الممكن أن نتصور نتائج الصراع والحروب على غيرها من المواد التي تعتبر أساسية حقاً وحقيقة، في ظل هذا النمط من التعامل الرسمي مع كبار التجار والمحتكرين وصغارهم، وفي ظل استمرار هذا الشكل من الانفلات في السوق، بذريعة تحريره مع أسعاره كسياسة حكومية رسمية متبعة ومقرة، مع غيرها من السياسات الأخرى، وخاصة وأساساً سياسات تجميد الأجور والإفقار والتهميش.
تراجع تكتيكي!
ثابتان اثنان بقيا على حالهما على الرغم من الاستهلاك الكلامي والوعود الخلبية الإعلامية كلها، ورغم المعارك الصغيرة كلها الدائرة حول التكلفة والسعر، هما معيشة المواطن وحاله المفقر، وتعنت كبار التجار المتمسكين بهوامش أرباحهم الاستغلالية الكبيرة، التي لم تجد من يحد منها لا رسمياً ولا بشكل غير رسمي.
فحرب الشاورما مثلاً، استنفذت إمكاناتها ووضعت أوزارها لمصلحة السوق وعلى حساب المستهلكين، وذلك على إثر الانسحاب التكتيكي لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك من المعركة، مع تجييرها إلى وزارة السياحة، حسب ما ورد عبر وسائل الإعلام مؤخراً، ولا أحد يعلم ما يمكن أن يتبع هذا الانسحاب من نتائج، أو ما سيليه من انسحابات تكتيكية لاحقة على غيرها من الجبهات.
فهل من الممكن لذكاء البطاقات أن يحل مثل هذه الأحاجي التي تبدو الدولة عاجزة أمامها؟
أم أن تغول الاستغلال وصولاً لنموذجه الفاقع الحالي، بتحديه الجائر لمعيشة المواطنين، كما للقرارات الرسمية التي من المفترض أنها محمية من قبل الدولة وأجهزتها، وهو الذي سيبقى سائداً؟
المعادلة المغيبة؟
في الأحوال جميعها، الحلقة المفرغة التي يتم الدوران حولها والالتفاف عليها هي: حلقة الدخول والإنفاق، والمعادلة الخاصة بهما، ولعل افتعال الحروب والمعارك على حلقة التكلفة والتسعير والمعادلة الخاصة بهما، ما هي إلا مزيداً من الالتفاف والهروب من إيجاد الحل المناسب للمعادلة الأولى الأساسية المرتبطة بالسياسات الحكومية المتبعة.
فمن قال بأن معيشة المواطن يمكن أن تتحسن من خلال إعادة النظر بمعادلة التكلفة والتسعير فقط، بعيداً عن معادلته الأساسية المتمثلة بالدخل والإنفاق؟
ومن قال بأن ذكاء البطاقات يمكن أن يحل مكان السياسات في حل مشاكل القضايا المعيشية العميقة؟
أخيراً، ربما يمكننا التساؤل: هل ما يجري حقيقة الأمر هو زيف أو هروب من حل معادلة الدخل والإنفاق فقط؟ أم هو تكريس للمعادلة الثالثة الحاضرة واقعاً والمغيبة رسمياً وهي: معادلة حصة أصحاب الأرباح وحصة أصحاب الأجور، والتباين الشاسع بينهما لمصلحة الطرف الأول على حساب الطرف الثاني من مجمل حركة السوق والاقتصاد، والتي يندر تسليط الأضواء عليها أو التحدث عنها؟
من كل بد، إن هذه المعادلة المغيبة عمداً هي من يجب أن تشن المعركة والحرب الحقيقية من أجلها، وهذا ما سيكون!

موسومة تحت

ارتفاع الأسعار,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 836
عد إلى الأعلى