الامتحان الوطني هروب للأمام؟!

الامتحان الوطني  هروب للأمام؟!

الكثير من طلاب الكليات الطبية والهندسية وغيرهم، ممن فُرض عليهم الخضوع للامتحان الوطني الموحد، يعتقدون بأن هذا الامتحان هو مفترق طرق جديد تم فرضه عليهم خلال السنوات الماضية، معتبرين مفترق الطرق هذا بمثابة العائق أمام طموحهم باستكمال دراساتهم العليا، كما أمام إمكان دخولهم سوق العمل، باعتبار النجاح فيه شرطاً لتخرجهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات على تطبيق هذا الامتحان، إلا أن الملاحظات والشكاوى على ألسنة الكثير من الطلاب ما زالت على حالها، بالشكل وفي المضمون، بمقابل اعتبار البعض الآخر أن هذا الامتحان يعتبر صمام أمان، وخاصة على مستوى الاعتراف بالشهادة الجامعية السورية.

الإحداث+ والأهداف
يشار إلى أن الحكومة ووزارة التعليم العالي، وتحت ضغط ومطالبات «اليونيسكو» ومنظمة الصحة العالمية، على إثر تراجع العملية التعليمية وواقع وجود الكثير من الشهادات الجامعية المزورة، بحيث أصبحت الشهادة الجامعية السورية على محك المصداقية، وخاصة خلال سني الحرب والأزمة، تم إحداث مركز القياس والتقويم، وذلك بموجب المرسوم التشريعي رقم 15 لعام 2012، والذي يهدف إلى تقييم أداء الطلاب والبرامج والمؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، ووضع معايير واضحة للشهادات الأجنبية بناءً على منهجية عمل مؤسساتية وتقنيات وأدوات قياس معيارية، ويحرص على استخدام المقاييس التربوية والمهنية لإنماء القدرة التنافسية المستقبلية للمؤسسات التعليمية السورية، ولتحقيق العدالة ورفع سوية التعليم العالي في الجمهورية العربية السورية.
ومن أهداف المركز حسب ما هو وارد على موقعه الرسمي:
تطوير اختبارات القبول في المؤسسات التعليمية، واختبارات التعادل للشهادات العلمية غير السورية.
تطوير اختبارات الانتقاء للعاملين في الجهات العامة.
قياس مخرجات المؤسسات التعليمية السورية ودراستها بهدف تطوير مدى تحقيقها لأهدافها وتلبيتها لمتطلبات المستفيدين.
تزويد الجهات المعنية بالدراسات والمعطيات المتعلقة بالتعليم العالي التي تسهم في وضع الاستراتيجيات والخطط التنفيذية وصناعة القرارات.
تعميم ثقافة القياس والتقويم واختبارات الكفاءة والقبول على الصعيدين الأكاديمي والمجتمعي، ونشر الممارسات الجيدة، وتعزيز ثقة الرأي العام بالنشاطات المنفذة في هذه الميادين.

المشكلة في مكان آخر
الواقع العملي، وبعيداً عن آراء الطلاب بين المؤيد والمعترض والمشتكي، هو: أن عمل مركز القياس والتقويم ارتكز على قياس مخرجات التعليم العالي عبر الامتحانات الموحدة التي تم فرضها على الطلاب للنجاح بها كشرط للتخرج من بعض الكليات، على الرغم من أن المشكلة بجوهرها في مكان آخر، وهو ما أكدته مديرة مركز القياس والتقويم عبر إحدى وسائل الإعلام في شهر أيار 2017 بقولها: «المشكلة هي في بيئة التعليم أو الكتاب الجامعي»، وبرأيها: «إن مديرية الامتحانات في الكليات تعطي النتائج التي تعكس الدرجات الامتحانية التي يحصل عليها الطالب، لكنها لا تستطيع أن تعكس مستوى الطالب أو الأستاذ أو المنهاج».
على الطرف المقابل لم تنفِ مديرة المركز أحقية شكاوى الطلاب، حيث قالت: «هناك مآخذ على الامتحان الوطني تتمثل بموضوع عدم توحيد المناهج، مؤكدة على أحقية بعض الشكاوى التي تصل إلى المركز، فالغاية، حسب رأيها، ليست توحيد المناهج، بل الوصول إلى اللانمطية في التعليم».

شكاوى محقة
أمام هذا الواقع، وهذا الاعتراف، يبدو أن اعتراض الطلاب وشكاواهم لم تجافِ الصواب، ليس بسبب التركيز على المخرجات دون المدخلات، أو التركيز على النتائج دون المقدمات فقط، وهي من كل بد ليست مسؤوليتهم، بل ما يعترض عليه الطلاب أكثر هو العملية الامتحانية نفسها، خاصة على مستوى الأسئلة التي رأى البعض منهم بأن بعضها يعتبر خلافياً يمكن أن يحمل أكثر من إجابة، كما أن بعضها ورد فيه جوابان صحيحان أو جوابان خاطئان، بالإضافة لوجود أسئلة ذات طبيعة اختصاصية، وهذه ملاحظات على الامتحانات الجارية بتاريخ 23و30/9/2017 من بعض طلاب الطب البشري فقط.
لقد قال أحدهم: « يعني هاد امتحان وطني ليقيم الطلاب.. ما بعرف شو كان الهدف من هيك أسئلة؟ صرلنا سنين عم نتعب، وسنة كاملة عم ندرس ونحضر، ونحنا مستعدين نجاوب عن أسئلة صعبة، بس مو أسئلة خيالية!».
أما الملاحظة الأهم التي وقف عندها الطلاب فهي عدم وجود بنك أسئلة أو أي مرجع يمكن الاعتماد عليه من أجل الامتحان.

بنك الأسئلة والمراجع
حول بنك الأسئلة، سبق لمديرة المركز أن قالت: «تم البدء بوضع بنك أسئلة لكل اختصاص من اختصاصات (الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة والعمارة والتمريض) على أن يتم وضع ألفي سؤال لكل من الاختصاصات، إضافة إلى إصدار كتيبات مرجعية بالمعلومات الأساسية عن كل تخصص»، وذلك في منتصف شهر أيلول من هذا العام.
ما يعني أنه وطيلة السنوات السابقة من عمل المركز، لم يتم العمل على هذا البنك أو المرجع العلمي المعتمد للامتحانات حسب الاختصاصات آنفاً، وبالتالي لا مرجعية كانت أمام الطلاب قبل الامتحانات، علماً أن المركز الوطني أجرى 92 امتحاناً وطنياً موحداً منذ بدء الامتحانات الوطنية، حسب التصريحات الرسمية، وأن بنك الأسئلة أو كتيب التعليمات يمكن اعتباره البديل المناسب عن توحيد المناهج الصعب، بين مختلف الكليات والجامعات، العامة والخاصة.

حلول ترقيعية هامشية!
مع عدم نفينا لأهمية القياس والتقويم، بل وضرورتهما على مراحل التعليم ومستوياته كافةً، لكن ما سبق أعلاه، يعيد بنا الكرّة من جديد لنقول: إن مشكلة العملية التعليمية هي مشكلة كاملة متكاملة، وفي المراحل التعليمية كافةً، مدخلات ومخرجات، ومناهج وكادراً تدريسياً وإدارياً وطرق تعليم، وأجوراً وتعويضات، ومستلزمات تعليمية وقاعات درسية وأعداد طلابٍ، وامتحانات وسلالم تصحيح، وغيرها الكثير الكثير مما يجب تداركه واستدراكه.
كما يؤكد بأن الاجراءات كافةً التي يتم اتخاذها رسمياً لمعالجة هذه المشكلة ليست إلا حلولاً ترقيعية هامشية وبعيدة عن الجوهر، وغالباً ما تكون على حساب الطلاب، اعتباراً من أول مفترق يوضع أمامهم بين مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، مروراً بمفترق سياسة القبول الجامعي وحدود الاستيعاب والعلامات التي ترتفع عاماً بعد آخر، وصولاً لفرض السنة التحضيرية على الكليات الطبية، وليس انتهاءً بمفترق الامتحان الوطني الذي يؤجل تخرج بعض الطلاب، ويقف عائقاً أمام طموحهم.

المزيد من الفرز الطبقي!
لعل الأهم من ذلك كلّه، بل والسبب الرئيس خلفه، هو أن السياسة التعليمية المتبعة، مثلها مثل السياسات الأخرى المعتمدة من الحكومات المتعاقبة، تسير باتجاه استكمال الخصخصة تباعاً، ليس عبر الترخيص للتعليم الخاص بمراحله كافة، وتسهيل عمله فقط، بل على مستوى المزيد من تخفيض الإنفاق على التعليم الحكومي العام، وعدم معالجة الكثير من الثغرات والمشاكل العميقة فيه، والانعكاسات السلبية الكبيرة لذلك كله، والتي يحصدها أبناء الطبقات الفقيرة تحديداً دون سواهم بالنتيجة، مع عدم إغفال السلبيات على مجمل الواقع الاقتصادي الاجتماعي والسياسي كذلك الأمر.

واختصاراً نقول: إن السياسة التعليمية المتبعة بهذا الشكل والجوهر تنحو باتجاه تعزيز الفرز الطبقي في المجتمع يوماً بعد آخر.
فكما أن السياسات الحكومية الليبرالية تحابي أصحاب الأرباح على حساب أصحاب الأجور، كذلك هي السياسة التعليمية، تحابي أبناء الأثرياء، على حساب أبناء الفقراء، بحيث يغدو العلم والتعلّم حكراً على الشريحة والنخبة المخملية، ولتغرق بقية الشرائح في الجهل والتهميش وآفاتهما!

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 831
عد إلى الأعلى