مفترق طرق بالإكراه!

مفترق طرق بالإكراه!

تتوجه جموع الطلبة الحاصلين على الشهادة الثانوية، اعتباراً من صباح يوم 10/09/2017، إلى مراكز التسجيل المعتمدة في الجامعات السورية لتقديم طلبات مفاضلات القبول الجامعي للعام الدراسي 2017-2018.

فيوضع الطالب أمام ما يفترض أن يكون خياراته المستقبلية وأفقه، محملاً بمسؤولية هذا الخيار تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه.. هكذا بكل بساطة، بعد 12 عاماً من التعلم المدرسي، المعتمد على التلقين والحفظ، وآليات التقويم وفقاً لنظام العلامات الامتحانية فقط، في تغييب شبه كامل للإمكانات الفعلية، وبعد أن تم وأد الطموحات والرغبات الذاتية، في مراحل التعلم المدرسي المبكرة، إلا ما رحم ربي!.

تناقضات وصراعات!
هذه الطلبات من المفترض أن تتمثل فيها طموحات ورغبات الطلاب على المستوى الفردي، وتتجسد من خلالها أهداف وغايات العملية التعليمية وغاياتها المستقبلية، بما ينسجم مع السياسات التنموية العامة، والطموحات الوطنية المستقبلية، في تسخير الإمكانات والطاقات البشرية بعد إكسابها العلوم والمعرفة لخدمة هذه الأهداف والطموحات، في تزاوج بين الفردي والاقتصادي والمجتمعي، مع المستقبل والآفاق.
بينما، وبتناقض صارخ، فإن واقع الحال يقول: إن الفترة التي تسبق عملية التقدم للمفاضلة هي فترة عصيبة وصعبة بالنسبة للطلاب، في حواراتهم وصراعاتهم الذاتية، وفي حواراتهم ونقاشهم مع ذويهم وأصدقائهم ومعارفهم، وصراعاتهم مع هؤلاء كذلك الأمر، من أجل تحديد الرغبات التي يجب تدوينها في طلبات المفاضلة العامة وفقاً للعلامات بمحصلة امتحانات الشهادة الثانوية، حيث تغيب الإمكانات والطموحات الذاتية في هذه الحوارات، ويطغى بدلاً عنها طموحات ورغبات الأهل والمستشارين، والنظرة الاجتماعية للفروع المختارة، والعائد المادي الاقتصادي المقترن بفرص العمل المتاحة لكل منها مستقبلاً، في وأد تام ونهائي للطموحات الفردية والإمكانات الحقيقية وسبل توظيفها في الفروع المناسبة من أجل تطويرها وحسن استثمارها المستقبلي، على المستوى الفردي والاجتماعي والوطني.

مع المطحونين
والنتيجة أن سلبيات السياسة التعليمية المتبعة كلها، يتم تقزيمها وتغييبها لتصبح متجذرة لدى الطالب، وعلى مسؤوليته، عند هذا المفترق الهام في حياته الذي يرسم ويحدد مستقبله عبر نظام المفاضلة العامة المتبع منذ سنين، في خيارات لها طابع الفرض أكثر من كونها حرية اختيار حقيقي، وذلك كون النظام التعليمي يعتمد على علامات الامتحانات التحريرية في التقويم وليس على الكفاءات والإمكانات والرغبات الحقيقية، والنظرة الاجتماعية وليس الرضى عن الذات، والحصاد المادي الفردي، وليس البناء الاقتصادي والمجتمعي الوطني العام، ولا ينفي ذلك كل ما يقال بخلافه من عبارات طنانة ورنانة على المسامع وعبر وسائل الإعلام.
والمشكلة الأكبر من ذلك كله، والأكثر تعقيداً لاحقاً، هي أن الطالب يواجه صعوبات في التأقلم مع النموذج التعليمي الجامعي نفسه، وذلك لاختلافه عن نموذج التعليم في المراحل السابقة، وخاصة على مستوى المناهج، وطرق التدريس، على الرغم من تكريس التشابه ناحية التقويم المعتمد على العلامات الامتحانية غالباً.
وتغدو المشكلة أكبر وأعظم خلال عمليات الغربلة الجارية في المرحلة الجامعية نفسها، وفقاً لهذا الأساس التقويمي، وعند مواجهة الواقع بعد التخرج، لمن استطاع إليه سبيلاً، وخاصة على مستوى فرص العمل المتوفرة في سوق العمل وندرتها، مع آليات التحكم والسيطرة بها، وخاصة على مستوى الأجور وساعات العمل، مع عدم تغييب عوامل الوساطة والمحسوبية والفساد أيضاً.
ما يؤكد بالجانب العملي غياب الاستراتيجيات والرؤى في توظيف الطاقات البشرية والإمكانات، والشعارات والبرامج التي طالما سمع عنها هؤلاء، ولينضموا بالمحصلة لعموم المطحونين من المواطنين، في مواجهة كل سلبيات السياسات العامة المتبعة منذ عقود.

من المعلومة إلى المعرفة
ولعل أولى الأولويات على المستوى التعليمي، أن يتم وقف العمل بنظام حشو المعلومات، حيث أصبح يتناقض مع التطور التقني الحافل بحالة الانفجار في هذه المعلومات، والانتقال لنظام المعرفة المستمدة من كم المعلومات الكبير المتوفر، مع حسن استثمارها وتوظيفها، وهذا يعني التركيز على عمليات التحليل والتركيب والاستنتاج، والتركيز على أن الطالب هو محور العملية التعليمية، وهو غايتها وهدفها، مع توفير الجو المناسب للتفكير والإبداع، مع إمكانات هذه وتلك من وسائل ومساعدات تعليم، وخاصة تلك المرتبطة بوسائل التقانة الحديثة، حواسب وبرامج وأجهزة إسقاط وغيرها، وبحيث تصبح غاية التعليم إنتاج المعرفة بدلاً من الاستمرار بتدوير المعلومات وإعادة اجترارها.
وعلى مستوى المدرسة والجامعة يجب إيلاء الاهتمام بميول الطالب واهتماماته، مع مراعاة الفروق الفردية بين هذا وذاك، والتركيز على آليات التعليم الذاتي، والكف عن اعتبار عقول الطلاب أوعية فارغة يجب ملؤها فقط، وبالتالي التركيز على مشاركة هؤلاء الطلاب بالعملية التعليمية نفسها، اعتباراً من التدريب على الأسلوب العلمي في التفكير، مروراً بطرق الحوار والنقاش المنظم، وليس انتهاءً بالتدريب على حل المشكلات، من أجل إكساب الطلاب المهارات الكافية تجريبياً، بما يعزز التحفيز المستمر على التعلم، الذي يجب ألّا يتوقف عند المراحل الدراسية فقط.

المدرسون والإفقار
إن هذا ينقلنا إلى دور المعلم والمدرس من كونه ناقلاً للمعلومة أم محفزاً على اكتساب معرفتها وحسن توظيفها، بحيث تصبح المادة الدرسية وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، وبالتالي الكتاب المدرسي أو الجامعي مرجعاً متغيراً باستمرار بما ينسجم مع التطورات العلمية والمعرفية المتسارعة، والتي لا تستقيم إلا عبر دور هذا المعلم بالتشارك مع الطلاب عبر العملية التعليمية التفاعلية، من أجل الاستمرار بالعملية التطويرية لها، مع ربطها بممكنات الواقع التطبيقية والعملية، ودور المعلمين الأساسي على مستوى وضع واعتماد المناهج وتطويرها بما يخدم العلمية التعليمية وغاياتها بالنسبة للطلاب، وذلك باعتبار المعلم هو صلة الوصل بين هذه وتلك، وهو المحفز والمشجع المباشر للطلاب، مع عدم تغييب أهمية إشراك ذوي الطلبة في العملية التعليمية، بشكل مباشر وغير مباشر، والدور الرئيس للمعلمين على هذ المستوى التفاعلي معهم كذلك الأمر.
وبالحديث عن المعلم والمدرس والدور المناط بهما، يجب ألا يغيب عن بالنا الواقع المادي المتمثل بالأجر المرتبط بالواقع المعيشي لهذه الشريحة، باعتبارها من أساسيات مدخلات العملية التعليمية، حيث من المفترض أن تكون هذه الشريحة على اطلاع دائم بآخر مستجدات العلوم والمعرفة، وأن يكون متاحاً لها سبل تطوير إمكاناتها، عبر الدورات الدائمة وتأمين المراجع والكتب، بالإضافة لأحدث وسائل الإيضاح المساعدة، وهذا لا يستقيم مع واقع الأجور المعتمدة لهذه الشريحة، ومستوى الإفقار الذي وصلت إليه، مما أصبح معيقاً أمام استمرار نبل دورها ورسالتها.

التقويم ليس بالامتحانات فقط
وأخيراً، نصل إلى مبتغانا ومحور حديثنا، المتمثل بطرق ووسائط وأساليب تقييم الأداء والتقويم النهائي للطالب، حيث يتم الاعتماد على الامتحانات والاختبارات التحريرية كأساس في تقويم التحصيل لدى الطلاب حالياً، وفقط غالباً، وبالتالي أصبح هذا الامتحان هو الغاية والهدف النهائي، للطالب كما للمدرسة والجامعة، فتنتهي صلاحية المعلومات التي تم حشوها طيلة العام الدراسي بمجرد الانتهاء من العملية الامتحانية، في حين يجب أن تكون الاختبارات التقويمية وسيلة لبلوغ أهداف وغايات أسمى تتمثل بالوصول إلى التميز والإبداع والمشاركة، عبر إعمال الفكر وتطوير المهارات ووضع الاستراتيجيات وحل المشكلات، أي: ذاك الدور الواعي والإيجابي اقتصادياً ومجتمعياً بما يحقق غايات وأهداف التنمية العامة المبتغاة، وبالتالي فإن كل جانب من هذه الجوانب النشطة والتفاعلية خلال مراحل التعلم يجب أن يكون لها أهميته على مستوى التقييم والتقويم النهائي للطلاب، ولكل منها أداتها ووسيلتها الخاصة في هذا التقويم، الأمر الذي يعني بالنتيجة ضرورة إعادة النظر في مجمل السياسة التعليمية، كمدخلات ومخرجات، وللمراحل التعليمية كافة.

تعميم التجهيل
ما سبق ليس سوداوية بقدر ما هو توصيف للواقع دون زيف وممالأة وتجميل، فالسياسات التعليمية المتبعة، كما غيرها من السياسات الليبرالية المعتمدة من الحكومات المتعاقبة، المحابية لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، بحاجة للقطع معها، واعتماد سياسات بديلة لمصلحة بقية الشرائح الاجتماعية، وخاصة المفقرة منها، ولمصلحة الوطن عموماً، وخاصة بعد مسار الخصخصة الجارية على القطاع التعليمي بمراحله كافة، ونماذج التعليم المأجور الذي تم تعميمه مؤخراً على الجامعات السورية، تحت مسمى التعليم المسائي المأجور، في تكريس فاضح للخصخصة على حساب الطبقات المفقرة، مع ما يعنيه ذلك من سلبيات عامة عميقة، لا تقف عند حدود تعميم التجهيل المجتمعي رسمياً.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 827
عد إلى الأعلى