التحديات الفلسطينية لاستكمال المصالحة

التحديات الفلسطينية لاستكمال المصالحة

بعد الأجواء الإيجابية عموماً- والعلنية على الأقل- والتي سادت عقب توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس»، واجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة مؤخراً، عادت الخلافات لتطفو على السطح، وذلك تزامناً مع استحقاقات تنفيذ ما اتفق عليه، وتبادل الاتهامات حول أسباب التعثر.



ديمة كتيلة

لا يبدو أن تجاوز انقسام دام حوالي العقد، وتمكين حكومة «الوفاق» في غزة، بالأمر السهل، وهو أمر لا يمكن إنجازه بالوقت القصير، وخاصة مع وجود كم كبير من الملفات الإدارية والمالية والأمنية، بما تتضمنه من تعقيدات، تشمل إدارة الوزارات والمعابر والهيئات، وحل قضية الموظفين في القطاع...الخ.
ولكن في الحقيقة، إن تعثر إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام، لا يعود بالعمق إلى تلك التعقيدات الإجرائية وحسب، بل إن الاتفاق منذ البداية جاء غير مكتملٍ، حيث ثمة توافقات مفقودة، كان لابد لها أن تظهر عند التطبيق العملي بأشكال مختلفة، تترافق مع تعقيدات في المشهد الإقليمي والدولي، والحديث عن «صفقة سلام» أمريكية غير مسبوقة. هنا يمكن الإشارة إلى أبرز التحديات التي ترافق عملية المضي قدماً في المصالحة، بناءً على مجمل ما سبق ذكره:

أولاً: مسألة سلاح المقاومة  في غزة
المسألة التي لم يجر التطرق إليها خلال الاجتماعات التي جرت في القاهرة، ولم يرد ذكرها في البيان الختامي لاجتماع الفصائل، هي قضية إشكالية، في حال عدم وجود توافق فلسطيني واضح حولها، وهو أمر مرتبط بالتوافق حول المقاومة بشكلها الأوسع، وهذا الإشكال ظهر واضحاً فيما قاله عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، خليل الحية، خلال مؤتمر صحفي، الاثنين 27 تشرين الثاني، لإعلان نتائج الحوار الفلسطيني، الذي جرى في القاهرة، بحضور 13 فلسطينياً: إن سلاح المقاومة لا مساومة فيه، ويجب على الجميع الكف عن الحديث عنه، مشيراً إلى تصريحات لقياديين في حركة «فتح»، بينهم عضو اللجنة المركزية، حسين الشيخ، بشأن سلاح المقاومة، في المقابل نفت «فتح» أن تكون قد طرحت نزع سلاح المقاومة، خلال جلسات الحوار الفلسطيني، مؤكدة على ضرورة تولي الحكومة الفلسطينية الملف الأمني في القطاع.
من جهة أخرى تحاول بعض الأطراف الإقليمية، عبر وسائل الإعلام، تحميل «حماس»، وسلاح المقاومة في القطاع، مسؤولية تعثر المصالحة، وتوظيف ذلك في محاولات التوتير الإقليمي، الذي تقوده السعودية ضد إيران بشكل أساس، من خلال تحميل إيران المسؤولية، وذلك بعد تصريحات لنائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، صالح العاروري، خلال زيارة قام بها مؤخراً وفد «حماس» إلى إيران، أن حركته تتعهد بالحفاظ على علاقات وثيقة مع طهران، واحتفاظ الحركة بسلاحها، رافضاً شروطاً مسبقة، وضعها الكيان الصهيوني، لموافقته على عقد أية «محادثات سلام».

ثانياً: موضوع إدارة المعابر
فتح معبر رفح، الذي يزداد تعقيداً مع تصاعد الهجمات الإرهابية في سيناء، حيث كانت السلطة الفلسطينية قد تسلّمت رسمياً إدارة المعابر الحدودية لغزة، ومن ضمنها معبر رفح، وفق ما تضمنه اتفاق المصالحة، وتم فتح المعبر بعد ذلك، تحت إشرافها، وفقاً لسياسة مصر الحالية، التي تفتح بموجبها المعبر ثلاث مرات أسبوعياً، ولكن بعد هجوم مسجد الروضة في سيناء مؤخراً، أبلغت السلطات المصرية السفارة الفلسطينية في القاهرة بإرجاء فتح المعبر لدواعٍ أمنية. ويمكن القول هنا: أن أحد أسباب تصاعد عمل المجموعات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء، له علاقة مباشرة بأجندات تسعى إلى إبقاء التوتر قائماً في المنطقة الحدودية بين فلسطين ومصر، وبالتالي خلق الذرائع لإحكام الحصار على قطاع غزة، والتضييق على المقاومة، الأمر الذي يزيد مسألة انفراج الوضع في غزة تعقيداً.

ثالثاً: الضغوط الإقليمية والدولية
لا يمكن عزل الصعوبات التي تواجه إتمام اتفاق المصالحة، عن الضغوط الإقليمية والدولية على الجانب الفلسطيني، للدخول في مفاوضات مع الكيان الصهيوني، وقبول بعض التنازلات، في سياق ما يتم الحديث عنه من «صفقة سلام» أمريكية، بعض تلك الضغوطات تم علانيةً، مثل: التهديد بإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، للدخول في مفاوضات مع الكيان الصهيوني دون شروط، والتوقف عن ملاحقته في المحافل الدولية في قضايا جرائم الحرب، هذا بالإضافة إلى معلومات متداولة، عن ضغوط مالية واقتصادية على السلطة الفلسطينية، من قبل أطراف إقليمية ودولية، للدخول في المفاوضات، ولكن من المؤكد أن هنالك ضغوطاً تمارس على الطرفين، سواء «فتح» أو «حماس»، وتجري وراء الكواليس، قد تدفع اتجاه تعقيدات إضافية في ملف المصالحة.
وهنا، فإن السلطة الفلسطينية المعتمدة بشكل كبير في مواردها على الإعانات الخارجية، تجد نفسها اليوم موضع ابتزاز مالي من قبل الدول المانحة لتقديم تنازلات سياسية، وهو ما يترافق مع التزامات تمكين حكومة «الوفاق» في غزة، والمسؤوليات التي أبرزها: إعادة إعمار القطاع، وتحسين وضع الخدمات الأساسية.
وعلى خلفية تلك التعقيدات، دعت «حماس» الفصائل الفلسطينية للاجتماع، بحضور الجانب المصري الراعي للمصالحة، داعية إياه لإرسال وفد أمني، وذلك يوم الأربعاء 29 تشرين الثاني، حيث قررت الفصائل بموجبه، تأجيل تسليم حكومة «الوفاق» مهامها في قطاع غزة، وقال الناطق الرسمي باسم حركة «فتح»، فايز أبو عيطة، في مؤتمر صحفي عقده عقب انتهاء الاجتماع: «إن الحركتين طلبتا من مصر، أن يتم تأجيل استكمال تسلّم الحكومة لمهامها في القطاع من تاريخ 1 وإلى 10 كانون الأول المقبل»، مضيفاً: «إن التأجيل يأتي بهدف ضمان خطوات إنجاز المصالحة الوطنية التي يطمح لها الشعب الفلسطيني»، من جهة أخرى، ذكرت وكالات أنباء فلسطينية، أن الرئيس، محمود عباس، أصدر قراراً يفيد بوقف التصريحات جميعها التي تتناول المصالحة الوطنية. فهل تستطيع تلك الإجراءات الدفع لاستكمال المصالحة؟  

إن المطلوب فلسطينياً اليوم هو: مصالحة حقيقية وليس «تبويس شوارب» بمعنى أن مصالحة يتم فيها القفز فوق النقاط الجوهرية في القضية، ابتداءً من المقاومة وسلاحها، وليس انتهاءً برؤية وطنية فلسطينية، حول تحرير الأرض، واستعادة الحقوق المسلوبة، لن تدوم، بل ستحمل معها صواعق قد تنفجر في أية مرحلة، وهنا نؤكد مجدداً: أن المطلوب اليوم هو: «مصالحة» برامج القوى الفلسطينية، ضمن رؤية وطنية، مدعومة شعبياً، تضع نصب عينيها استعادة فلسطين، وحقوق شعبها، وهو الأمر الممكن ضمن التوازنات الدولية الجديدة، بما يسمح بتجاوز الضغوط الإقليمية والدولية كافة القائمة حالياً، دون الاضطرار إلى تقديم التنازلات.  

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 839
عد إلى الأعلى