مشاريع القروض الصغيرة...تُثري «النخب» وتُعزز الفقر!

 طالما تمّ الترويج لمشاريع القروض الصغيرة على أنها الحل الأمثل لمعالجة الفقر حول العالم، وخاصة في الدول النامية، أي: أن منح القروض للفقراء لبدء بمشاريعهم الصغيرة الخاصة، قادر على رفع المستوى المعيشي لهم وزيادة دخولهم، وفي سبيل ذلك تمّ إيجاد العديد من المؤسسات العاملة في هذا المجال، وأُنفقت الكثير من الأموال، لكن الوقائع أثبتت أن تلك القروض لم تجلب سوى المزيد من الإفقار، فمن هو المستفيد الحقيقي منها؟ وما هو الهدف الحقيقي وراءها؟ فيما يلي تقدم قاسيون الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها...




تعريب وإعداد: عروة درويش

اعتقد مجتمع التنمية الدولي قبل ثلاثين عاماً أنه أوجد الحل الأمثل للفقر في الدول النامية، وهو: القروض الصغيرة (Microcredit). كان أشهر واضعي هذه  الاستراتيجية هو الاقتصادي المُدرّب في الولايات المتحدة محمد يونس، الذي صوّر تلك القروض على أنها علاجٌ شافٍ، من شأنه أن يخلق بسرعة عدداً غير متناهٍ من الوظائف، وأن يقضي على الفقر المدقع.

رعاية رأسمالية
سرعان ما حوّل مشروع: «إيصال الرأسماليّة إلى الفقراء» صاحبه يونس إلى الشخص الذي يقصده الجميع طلباً للنصح، من أجل أفضل السبل لمعالجة الفقر في العالم. أدّى تدفق التمويل عام 1983 وخاصّة من وكالات الإعانات الأمريكيّة ومؤسساتها الخاصّة، إلى إنشاء «بنك للفقراء» هو بنك «غرامين»، الذي تمّ تمويله من المانحين الدوليين، وانتشر في أنحاء دول الجنوب جميعها. لقد ولدت حينها حركة القروض الصغيرة، وكانت الوكالة الأمريكية للتنمية «USAID» والبنك الدولي تحديداً، من أكبر داعمي هذا النموذج. حيث استطاعت هاتان المؤسستان الترويج لفكرة الاعتماد على الذات وعلى المشاريع الفردية كمضادات للفقر، وهي عناصر أساسية في الرأسماليّة النيوليبرالية.
وُصِف النموذج بحلول منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، بأنّه أكثر نموذجٍ فاعل في مقارعة الفقر والتفاعل الإنمائي «من الأسفل- إلى الأعلى» على مرّ الأزمان. أطلقت منظمة الأمم المتحدة، بدعمٍ عابرٍ للأطياف السياسيّة، على سنة 2005 اسم «عام القروض الصغيرة». وأصبحت تلك القروض واحدة من السياسات الإنمائية القليلة المعروفة والمدعومة من قبل الناس العاديين في أنحاء العالم جميعها، الأمر الذي سهّله دعم أبرز المشاهير للجهود العالمية في هذا المجال، ومن بينهم بيل وهيلاري كلينتون وبيل غيتس وبونو وناتالي بورتمان ومات ديمون.
وصلت الحركة إلى حالة من التمجيد في تشرين الثاني عام 2006 أثناء مؤتمر القروض الصغيرة، الذي عُقد في هاليفاكس في كندا، حيث تمّ الاحتفال بالتقدم المحرز، وأخذ العهود من المشاركين بزيادة إمدادات القروض. وتمّ الحديث عن أن تلك القروض باستطاعتها التأثير إيجاباً على الرعاية الصحيّة، البيئة والإرهاب بالإضافة إلى مجموعة من المشاكل الأخرى. ووصف، بيرنارد بالكنهول، رئيس وحدة التمويل الاجتماعية في منظمة العمل الدولية آنذاك، روح حركة القروض الصغيرة بـ «إنّها استراتيجيّة للحدّ من الفقر بامتياز».
ويبدو في النظر إلى خطط التوسع الطموحة تلك، أنّ مستقبلاً يحصل فيه كلّ فرد فقير في كوكب الأرض - خاصة النساء - على قرض صغير، قد بات قريباً من التحقق، وأنه سيصبح حقيقية واقعة ما قاله يونس مراراً، بأنّ القروض الصغيرة سوف «تقضي على الفقر خلال جيلٍ واحد»، وبأنّ على أطفالنا زيارة «متحف للفقر»، لرؤية الأمر الذي دار كلّ هذا الضجيج حوله. ولكن ما حدث حقيقةً، أن كل شيء بعدئذٍ بدأ يصبح كارثياً.

أداة استغلال
لقد كانت الكارثة التي تسببت في التحوّل الهائل عن التمويل الصغير هي: الطرح الأولي للاكتتاب العام في أكبر مصرف إقراض صغير في المكسيك «بنك  كومبارتاموس» عام 2007. لم يتعرّف الناس العاديون هناك على النجاح المبهر للقروض الصغيرة في الحدّ من الفقر، بل تعرّفوا على المستوى المريع للاستغلال من جانب كبار المديرين والمستثمرين الأجانب.
لقد فوجئ معظم العاملين في قطّاع القروض الصغيرة بمقدار شجع هؤلاء المتورطون، لكنّ سرعان ما تبيّن بأنّ «كومبارتاموس» لم يكن إلّا غيضاً من فيض. فعندما ظهرت حالات أخرى من الإثراء الشخصي والسلوك المجرّد من المبادئ على السطح، أصبح واضحاً بأنّ نموذج القروض الصغيرة قد استولى عليه روّاد أعمال جشعون، ومصارف خاصّة لا ترحم، ومستثمرون لا يلينون.
وجرى في الوقت ذاته التشكيك المتزايد بصحّة التقارير التي كانت تبرّر وجود القروض الصغيرة. لقد كانت الأدلّة ضعيفة في الواقع لدرجة أنّ إحدى الدراسات الرئيسة التي تمولها الحكومة البريطانية قد خلصت إلى: أنّ كامل حركة القروض الصغيرة قد «شُيّدت على أساسات من الرمال». فبعد سلسلة مدمّرة من «الانتعاش والكساد» في الدول والأقاليم جميعها، التي وصلت فيها القروض الصغيرة إلى الجمهور الأكبر، انهار الاعتقاد القديم الصلبّ بقدرة القروض الصغيرة على مساعدة الفقراء بسرعة. خلال أكثر من ثلاثين عاماً، انتقلت فكرة القروض الصغيرة من كونها البطل الذي يساعد الفقراء، إلى كونها سياسة معنيّة بقتلهم بطريقة عفنة. كيف حصل ذلك؟

زيادة الإفقار
تكمن المشكلة الرئيسة لحركة القروض الصغيرة المعاصرة في قيامها أساساً على فهمٍ خاطئ للاقتصاد. لقد ظنّ يونس بأنّه يمكن للفقراء، وخاصّة النساء، أن يؤسسوا مشاريع صغيرة غير رسميّة، ثمّ يبيعون السلع والخدمات الرئيسة لفقراء آخرين في المجتمع. لقد تمّ تطبيق هذا الافتراض حتّى في أكثر المجتمعات بؤساً، حيث يصارع الفقراء لتوفير المواد والخدمات البسيطة اللازمة لنجاتهم. لكنّ يونس اعتقد بأنّه طالما يستطيع الفقراء إنتاج شيء، فسيكون بإمكانهم بيعه. فكما قال في توصيفه الشهير للأمر: «يفتح برنامج القروض من نوع «غارمين» الباب أمام تشغيلٍ ذاتيّ بلا حدود، ويمكنه القيام بذلك بشكل فعّال باستخدام قدرة مالية ضعيفة وسط الازدهار، أو حتّى في حالة الفقر المدقع».
اعتنق يونس لسوء الحظ مغالطة باطلة منذ زمن، تُعرف باسم «قانون ساي،law Say’s» وهي الفكرة القائلة: أنّ الإنتاج يخلق الطلب الخاص به. وكما شرحت الاقتصاديّة، أليس أمسدن: لا تكمن المشكلة الرئيسة للدول النامية في توريد المواد الأساسية، بل في النقص الحاد للطلب المحلي أو «القوّة الشرائيّة» المطلوبة لدفع ثمن هذه المواد. هنالك عموماً، حتّى في أفقر المجتمعات، ما يكفي من متاجر التجزئة ومنافذ بيع الأطعمة في الشوارع وصانعي الأنسجة، إن توفّرت لهم الوسائل الماليّة لفعل ذلك.  
تسهم «القيود على الطلب» المحليّة في تشكيل اثنين من أوجه القصور الرئيسة المرتبطة بالقروض الصغيرة، وهي الإزاحة والخروج. تحدث الإزاحة عندما تُلغى الوظائف والمداخيل الجديدة المسجّلة في أحد مشاريع القروض الصغيرة، بسبب انخفاض الوظائف والمداخيل للمشاريع المنافسة من ذات الطابع. أمّا الخروج فهو عندما تضطر_ كلٌ من مشاريع القروض الصغيرة الجديدة والموجودة مسبقاً_ إلى الإغلاق جرّاء العرض الزائد الذي تضيفه مشاريع القروض الصغيرة غير الرسمية العاملة في المجال نفسه.

الفشل والمديونية
كما يشير، دافيد ستوري، خبير سياسات الأعمال التجارية الصغيرة: «الحقيقة الوحيدة الأكثر أهميّة التي يجب إبقاءها في الأذهان عند تنفيذ تدابير تساعد الشركات الصغيرة، هي: المعدلات المرتفعة لموت هكذا شركات». إنّ الحقيقة الكامنة وراء القروض الصغيرة، هي: أنّ الغالبية العظمى، من هؤلاء الذين أخذوا قروضاً صغيرة للاستثمار في أحد المشاريع التي تدرّ دخلاً، قد انتهى بهم المطاف إمّا بالفشل أو بإزاحة مؤسسة أخرى تعتمد على القروض الصغيرة وتعمل في المجال ذاته.
 يؤدي الفشل إلى الإفراط في المديونيّة، وإلى تحويل تدفقات الدخل الأخرى_  التحويلات المالية والمعاشات التقاعدية- لتسديد القروض، وإلى فقدان الأصول العائلية المرهونة كضمان «الأرض والمنازل والمركبات» وإلى الإذلال واليأس والانحطاط إلى مستوى الفقر الذي لا مفرّ منه في الكثير الكثير من الحالات.
وإذا ما نظرنا إلى الإزاحة والخروج معاً، يمكننا أن نفهم سبب عدم تحقيق نموذج القروض الصغيرة إلّا زيادة ضئيلة أو معدومة في العمالة. ففي البوسنة التي أتُخمت بالقروض الصغيرة على سبيل المثال، تبيّن بأنّ الادعاءات جميعها بخلق فرص عمل هائلة هي مزيّفة بشكل واضح، بسبب رفض القائمين عليها أخذ هذه المسائل في الاعتبار. في الواقع، يصعب العثور على تقييمات لتأثير عنصري الإزاحة والخروج. ففي أكثر الحالات، طغت الرغبة بإرضاء العملاء_ وهم من مؤيدي القروض الصغيرة بالتأكيد_ على أيّ إلزامٍ مهنيّ أو أخلاقي بالإبلاغ عن الواقع.
ومع ذلك، تساعد هذه العيوب الواضحة في تفسير سبب عدم وجود أدلّة تجريبية على نجاح القروض الصغيرة في التقليل من الفقر، وذلك باعتراف حتّى أقدم أنصار هذا النموذج. إنّها، كقاعدة عامّة، تزيد ببساطة معدّل دخول المؤسسات غير الرسمية المعتمدة على القروض الصغيرة، وهو ما تستتبعه نسب عالية من الإزاحة والخروج، مؤدية لخلق ديناميكيّة محليّة غير منتجة ومهدورة. وكما كتب مايك دافيس: ليس تحفيز المنافسة المفرطة في أسواق البلدان النامية المحليّة هو الطريق للخروج من الفقر والمعاناة، بل هو مجرّد تجلّ قبيح متزايد للفقر.
وثمّة مؤشر آخر على فشل القروض الصغيرة في الكثير من البلدان النامية: فالفقراء لم يعودوا يسحبون القروض الصغيرة من أجل المشاريع التجارية، عارفين بأنّهم إمّا سيكافحون لجني المال، أو بأنّهم سيفشلون بسرعة. بالمقابل فإنّ أعداداً متزايدة من الناس باتت تستخدم القروض الصغيرة لدفع ثمن السلع الاستهلاكيّة التي يحتاجونها بشدّة.
يأمل المقترضون أن يسددوا في نهاية المطاف قروضهم الصغيرة، عبر بعض التدفقات المالية غير المتوقعة، أو عبر طفرة نادرة من نجاح الأعمال التجاريّة. لكن في الممارسة العملية: يأخذ الفقراء بشكل متزايد قروضاً صغيرة أكبر فأكبر، وغالباً ما يكون أكثر من قرض، لمجرّد تغطية دفعات القروض الصغيرة السابقة. أدّى هذا بدوره إلى الدفع تجاه المديونيّة الفردية التي لا نهاية لها، والتي وصلت في بعض الدول النامية إلى مستويات صاعقة.

«تفريخ» رجال الأعمال
ثمّة مشكلة أكثر جوهرية في القروض الصغيرة تنبع من قصور دورها في تأمين مسار إنمائي طويل الأجل. وإذ يدرك العديد من المدافعين عن تلك القروض: أنّ دلائل نجاحها على المدى القصير هي دلائل هشّة، فإنّهم يصرّون على ربطها بالمدى الطويل، حيث يدعون بأنها أكثر فاعلية في هذه الحالة، وتدعم دخول روّاد الأعمال الصغيرين وانتشارهم التدريجي في الأماكن التي تكون في أمسّ الحاجة إليهم. وفي هذا السياق، يكرر هؤلاء الإشارة إلى إفريقيا، كمثال على المعاناة من نقص روّاد الأعمال. لطالما بذل مجتمع الإنماء الدولي قصارى جهده، مدعوماً من شخصيات اقتصاديّة إفريقيّة كبرى مثل: دامبيسا مويو، ليعلن الحاجة الماسّة لإيجاد طبقة روّاد أعمال إفريقية يمكنها أن تلعب دور طليعة التنمية المستدامة.
تلك الحجج زائفة بشكل كلّي. فكما يشير الاقتصادي الإنمائي ها-جون تشانغ: لدى إفريقيا روّاد أعمال أفراد أكثر من أيّ مكانٍ آخر على سطح الكوكب، ويجري إنتاج الكثير منهم باستمرار بسبب برامج القروض الصغيرة الجديدة، وبسبب تحوّل المصارف التجارية في إفريقيا إلى عمليات الإقراض الصغير.
إنّ تخمة رجال الأعمال الصغار تعوق فعلياً التنمية الطويلة المدى هناك. فمن خلال توليد عمليات تجاريّة فائضة من نمط «اشترِ بسعر زهيد، وبع بثمن عالٍ»، تحول القروض الصغيرة دون نشوء بنية اقتصادية محليّة أكثر إنتاجية تقوم على الصناعة وتتوجّه ناحية النمو. وتقوم المنافسة الشديدة الناجمة عن موجات المشاريع الصغيرة غير الرسميّة، بإعاقة النمو العضوي الذي قد يتم الوصول إليه عبر المشاريع الرسمية ذات المرتكزات الأفضل.
لم تفعل حركة القروض الصغيرة أكثر من تعميق إغراق أعدادٍ كبيرة من «سود» جنوب إفريقيا في المديونيّة والفقر وانعدام الأمن. في الوقت نفسه، أصبحت «نخبة بيضاء» صغيرة من «بيض» جنوب إفريقيا ثريّة جداً جرّاء توريدها للقروض الصغيرة. ليس من المستغرب أنّ الكثيرين في جنوب إفريقيا الآن ينظرون إلى القروض الصغيرة على أنّها مماثلة لأزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن مع مزيد من النغمة المقلقة المبنيّة على الاستغلال القائم على التفريق العرقي. ولا يمثّل التوسّع في مشاريع القروض الصغيرة الذي يحفّزه التمويل الصغير في الدول النامية، حلّاً للفقر الأزلي وللامساواة وللإنتاجيّة المنخفضة ولنقص التنمية عموماً، بل يشكّل سبباً رئيساً لها.

إيديولوجيا القروض الصغيرة
ظهر نموذج التمويل الصغير أوّل مرّة في ستينيات القرن العشرين في أمريكا اللاتينيّة، كجزء من محاولات الحكومة الأمريكيّة قمع الحركات المناهضة للرأسمالية والمقاومة للإمبريالية الأمريكية. كانوا يأملون أن يتمكن عدد كافٍ من الفقراء من خلق فرص عمل حر ومؤسسات فردية، وعندها لن يكونوا بحاجة إلى حلول هيكلية للفقر، مثل: دول فاعلة، ونقابات عمالية، وأنظمة رفاه اجتماعي، أو «الأسوأ»: الاشتراكية. تحيّنت الكثير من المصارف الغربية وصناديق التمويل الفرصة لدخول مجال أعمال القروض الصغيرة، من أجل إثراء المدراء الكبار «عبر الرواتب المرتفعة والمكافآت»، وحاملي الأسهم «عبر أرباح الأسهم المرتفعة وزيادة رأس المال». رغم وضوح فشل هذا النموذج، إن لم نقل هدمه الكامل لأهداف التنمية طويلة الأجل والحدّ من الفقر، لا يزال نموذج القروض الصغيرة أيقونة داخل مجتمع الإنماء الدولي. إنّ القروض الصغيرة جذابة للغاية بالنسبة للمجتمع النيوليبرالي من مؤسسات وسياسيين، ولهذا لا يمكن التسامح مع الانتقادات الموجهة لها، ولانتقاد الدور المركزي الذي يُفترض للمشاريع الفردية أن تؤديه في عملية التنمية. ولهذا يتم صدّ مثل هذه الشكوك بشكل عدواني، لأنّ مثل هذا التشكيك هو في جوهره تشكيك بالرأسماليّة نفسها.

تنويه: المقال منشور بالكامل على موقع قاسيون الإلكتروني

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 833
عد إلى الأعلى