«طريق الحرير الجديد»...الجسر الأرضي للعالم

«طريق الحرير الجديد»...الجسر الأرضي للعالم

يزداد النظام المالي الدولي إجراماً في الوقت الحالي، ويتحوّل إلى «نظام آكلٍ للحوم البشر» حسب ما سمّاه جان زيغلر، مفوّض الأمم المتحدة للتحقيق بما يسمى «صناديق الاستثمار في الديون المتعثرة». وهي صناديق تعتبر أحد أكثر أدوات المنظومة إجراماً، والمسؤولة بشكل كبير عن وضع الأرجنتين، التي واجهت معركة ضارية في هذا الإطار، فقد عرضت الصناديق تسديد كامل ثمن السندات عالية المخاطر التي اشترتها الأرجنتين بمبلغ 48 مليون دولار فقط، على أن تدفع ثمنها 850 مليون دولار، أي: بفائدة نسبتها 1.608% خلال ستّة أعوام. وهي المسؤولة أيضاً عن الوضع في إفريقيا، حيث فعلت الأمر ذاته مع الكونغو.

معهد «شيلر»- ألمانيا

تعريب وإعداد: عروة درويش

علينا أن ندرك ببساطة، أن الملايين التي تنفق على تلك الصناديق وأنشطتها الإجرامية، كان من الممكن أن يتم إنفاقها على الصحة والغذاء والمسكن، بما يؤدي إلى إنقاذ حياة الكثيرين خلال العقود الأربعة الماضية. إنّ سياسات صندوق النقد الدولي هي أسوأ بمئات المرات من سياسات أدولف هتلر، وإن نظرت إلى عدد الأشخاص الذين قُتلوا في غضون ذلك، فستعرف بأنّ الأمر ليس مجرّد مبالغة...

نظامٌ يهدد الجميع

النظام الذي أدّى إلى امتلاك 85 شخصاً فقط للمقدار ذاته الذي يمتلكه 3.5 مليار شخص هو على وشك الانهيار الآن. سوف يتفسّخ إن لم يتغيّر شيء في الوقت المناسب، وسوف يكون الأمر أسوأ بكثير ممّا كان عليه في 2008، فالمصارف الكبيرة باتت أكبر بنسبة 50%، وازدادت مديونيتها بنسبة 50% 

هنالك الآن مجموعة من الخبراء الماليين الذين يقولون بأنّ «السقوط الكبير على وشك الحدوث». لقد قال كل من وليم وايت، رئيس «بنك التسوية الدولي» السابق، وغاي ديبل، رئيس لجنة الأسواق في البنك نفسه: «سوف يكون هنالك انهيار عنيف نسبياً». وقد قال توماس هونيغ، نائب رئيس «مجلس تأمين الودائع الفدرالي» مؤخراً: «إن سقط واحد من المصارف الكبار فقط، فهذا سيعني انهيار النظام بأكمله». إنّ التدابير كلها التي اتخذتها إدارات الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة هي في أساسها عمليات إنقاذ تقوم على تحميل الدائنين والمودعين الخسائر، أي: القيام بتقليص القيمة السوقيّة للأوراق الماليّة على الطريقة القبرصية. يمكن القول: إن الأمر بمثابة تهديد وجودي، إن لم يكن هنالك تحوّل جذري في النموذج، فنحن جميعاً بمن فينا المسؤولون عنه، في عداد الموتى.

الحل موجود...

الآن، ولحسن الحظ، بات هنالك حل ومخرج. ثمة تطوّر موازٍ حدث كردّ فعل مباشر على النظام الإجرامي وغير الأخلاقي الذي يعظّم الربح لقلّة على حساب فقر وموت ملايين أو حتّى مليارات البشر. كان هذا النظام البديل في طور الإعداد لفترة طويلة من الزمن. حيث حاولت حركة «عدم الانحياز» في الستينيات والسبعينيات التحول إلى «نظام عالمي جديد»، ولكن تمّ سحقها في ذلك الوقت، وعانت العديد من النكسات. وقد كثفت هذه المنظمة عملها من أجل نظام بديل، منذ دعا ليندون لا روش في عام 1975 إلى إنشاء «بنك تنمية دولي»، وكذلك الأمر خلال الأربعين عاماً الأخيرة.

لكن الآن، بدأ عهد جديد من الحضارة، تحديداً عندما أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن «طريق الحرير الجديد». لقد بُني «طريق الحرير القديم» قبل ألفيّ عام، وأدى في ذلك الوقت إلى تبادل البضائع والتكنولوجيا والأفكار والثقافات، وكان بكل تأكيد انتصاراً هائلاً بتخطيه للمصاعب، حيث كان يسافر الناس على الخيل والجمال والأقدام وبالسفن.

فورتاليزا والاتفاقات الكبرى

تمّ الاتفاق في مدينة فورتاليزا في البرازيل قبل عامين على عدد كبير من المشاريع الإنمائية الضخمة بين مختلف الدول في إطار «طريق الحرير»، وسأذكر بعضاً منها كي نعلم حجم هذه المشاريع التي نتكلم عنها:

أولاً: تمّ الاتفاق على آليات ائتمانيّة جديدة والتزامات مبدئية، كأساس لرفع الكوكب بأسره إلى مسار جديد من التنمية. وقد تمّ إطلاق ثلاثة مصارف: البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وبنك التنمية الجديد، وبنك شانغهاي للتعاون. ولم تعطَ هذه المصارف اعتمادات للمضاربة، بل فقط لتمويل المشاريع. وهذه المصارف الثلاثة، رغم عدم اكتمال نموها بشكل كلي بعد، سوف تصبح زورق النجاة عند انهيار تايتانيك النظام العابر للأطلسي.

ومن بين المشاريع العديدة الأخرى، فإنّ هنالك فكرة لإنشاء «قناة بنما» ثانية في نيكاراغوا بمساعدة الصين، بحيث تربط المحيط الهادئ بالكاريبي لتصبح مركز نشاط لكامل حوض الكاريبي وأمريكا الوسطى. وقد تمّ تصميم هذا المشروع من قبل أكبر شركة صينيّة لإدارة المياه والسكك الحديدية والمطارات والموانئ، والتي نفذت ميناءين ومطاراً وبحيرة صناعية ومصنعاً للإسمنت والصلب. وقد صمم خرائطه معهد «تشانغيانغ» للمسح والتخطيط والتصميم والأبحاث، وهو الذي صمم سدّ المضائق الثلاثة. وقد أعربت روسيا كذلك عن اهتمامها بالمشاركة في هذا المشروع.

وهنالك أيضاً، السكّة الحديدية العابرة للقارات بين البرازيل والبيرو: وهو مشروع هائل لم تشهد القارة مثيلاً له، حيث سيتم بناء خط سكّة حديدية من البرازيل على ساحل الأطلسي إلى ساحل المحيط الهادئ في بيرو. وقد عبرت الرئيسة البرازيليّة السابقة، ديلما روسيف، في لقاء بينها وبين بينغ عن مدى أهمية هذا المشروع كأداة دمج لأمريكا الجنوبية وكمنفذ للصادرات البرازيليّة إلى آسيا. وقد طلبت بوليفيا فيما بعد من الصين المساعدة في بناء الجزء البوليفي، وتمّ في عام 2015 تعديل المشروع ليمر خطّ السكة الحديديّة في بوليفيا ويصبح اسم المشروع «سكّة حديد المحيطين المركزية».

الطريق إلى المستقبل

هنالك سلسلة كاملة من المشاريع بين روسيا وكلٍّ من نيكاراغوا وكوبا، كما يوجد 29 مشروعاً مشتركاً بين الصين وكوبا، وثمة مشاريع لبناء المحطة النووية والبنية التحتيّة بين روسيا وبوليفيا. وتعمل الصين مع بوليفيا للتعاون في مجال الأقمار الصناعية. وتعمل روسيا والأرجنتين على البنية التحتية والتصاميم النووية والبناء وتشغيل المحطات النووية ومفاعلات الأبحاث وتحلية المياه، والكثير من المشاريع الأخرى. ويقوم بين روسيا والبرازيل تعاونٌ تجاري وعسكري ونووي، ويعملان على مضاعفة حجم التبادلات سنوياً، وهما يبنيان معاً نظاماً دفاعياً مضاداً للطائرات، ويعملان على توسيع نظام ملاحة غالوناس. 

وتجمع الصين بالبرازيل شراكة استراتيجيّة حقيقية، فهما يعمقان تعاونهما في الفضاء، ويعملان بشكل مشترك في مجال الأقمار الصناعية مع أفريقيا، كما أنّ البرازيل تبيع الطائرات للصين، وبينهما تبادل علمي ضخم. وتجمع الصين بالأرجنتين مشاريع بنية تحتية وتعاوناً نووياً في إطار 19 اتفاقاً. وهنالك اتفاقات تعاون بين الصين وفنزويلا والصين والمكسيك. حتّى بين الصين والهند، هنالك عشر صفقات اقتصادية كبرى، وتعاون في مجال العلوم النووية وخاصة: في المفاعل النووي العامل على الثوريوم، ومشروع مفاعل وقود الطبقة الحصوية الصلب الصيني الرائد. 

إنّ هذه المشاريع مهمّة للغاية لأنّها تعرض لنا الطريق إلى المستقبل. لقد تخلّت منطقة «العابر للأطلسي» بشكل كلي حتّى عن مشاريع الطاقة النووية، وذلك من أجل المضاربات في الأموال والأرباح. ورغم أنّ الأمر واضح جداً، فقد بات التشاؤم جزءاً من التكوين الثقافي لسكان الولايات المتحدة وأوروبا حتّى لا يكونوا قادرين على تصديق أنّ هنالك قادة في العالم يكافحون من أجل تحقيق مصالح شعوبهم.

روح طريق الحرير

هذه هي الروح التي ندعو إليها منذ ثلاثين عاماً، أنّه: إن أرادت أمّة أن تعيش في سلام مع بقيّة الأمم، فإنّ علينا أن نسلط الضوء على الثقافة العالية للآخرين. ليس «طريق الحرير الجديد» مجرّد منصة اقتصادية أعلى، تتيح المنفعة للدول جميعها المشاركة وحسب، بل هي أيضاً تعبير مجازي عن التنوير الثقافي الجديد، حيث كل أمة سوف تحيي أفضل وأجمل ما لديها من شعر وموسيقى وفلسفة.

لقد قال بينغ أثناء ندوة دولية، وبمناسبة عيد ميلاد كونفوشيوس الـ 2565: «إن لم تعتز أمّة أو بلد بثقافتها وفكرها الخاصين، وإن فقدت روحها، بغض النظر عن هذه البلد أو الأمّة، فهي لن تكون قادرة على الوقوف من جديد». وهذه هي المشكلة في أوروبا وأمريكا، لقد خسرنا ثقافتنا وخسرنا معها روحنا.

لقد قال بينغ أيضاً: «ينبغي أن تتأصل الكلاسيكيات في عقل الطالب، وأن تصبح جينات الثقافة الصينيّة». بالنسبة للصين، فإن كونفوشيوس ومنسيوس وتاريخها الممتد إلى 5000 عام، باتوا جميعاً هوية كامل الأمّة. وتبذل الحكومة الصينيّة الآن جهوداً كبيرة للتمسك بها، كما تفعل الهند. 

وهذا يعني بالنسبة لروسيا وجوب أن تبقى الجزالة في شعر بوشكين والبصيرة لدى فيرنادسكي حاضرة في مسألة الهوية الوطنية. وإن أردنا من أوروبا أن تبقى على قيد الحياة، فإنّ علينا أن نحيي تقاليدنا العظيمة التي تعود لأفلاطون وليوناردو دافنشي وسيرفانتس ورابيليه ورامبرانت ونيكولاس دي كوسا ولايبنيز وبيتهوفن وشيلر، وأن نحيي مفهوم الذات النبيلة للإنسان الذي تمتع بها هؤلاء...

إنّنا بحاجة إلى حركة جماهيرية للتنمية. وليس ذلك في الهند أو بقية الدول النامية وحسب، بل أيضاً في بلدان أمريكا وأوروبا المتقدمة. نحن بحاجة إلى حركة للانضمام إلى دول «بريكس» من أجل خلق عالم أفضل وأكثر انسجاماً، ومن أجل تنمية جميع الأمم على هذا الكوكب. ويجب أن تستلهم هذه الحركة الحب لدى البشر.

بالنسبة لروسيا، فكما ذكر ليندون لاروش في كتابه «الخمسون عاماً التالية في الأرض»، وهو الكتاب الذي يجب اعتباره مرجعاً تصورياً سامياً، لتضمنه على الأسئلة الجوهرية التالية: ما هو الفرق بين البلدان على الصعيد شبه البدهي؟ كيف سيبدو المحيط الفكري بشكل رئيس بعد جيلين من الآن؟ ما هي المقاربة الأفضل لملء وتحقيق السيادة الوطنية والشخصية في غضون الجيلين القادمين أو أكثر، بالإضافة إلى إنشاء تحسينات سريعة مطلوبة لسمات ونوعية المحيط الفكري؟

دعوة لحركة جماهيرية

علينا أن نحدد حلول المشاكل الراهنة من وجهة نظر المستقبل: أين نريد أن نكون كجنس بشري بعد جيلين، أو بعد مائة عام من الآن؟ إن لم نكن نريد الوصول إلى العصور المظلمة، حيث يعيش مجرّد بضعة ملايين من الناس البائسين في كهوف في البرية، أو ربّما تنقرض البشرية، لأننا لم نتمكن من التخلص من الإمبراطورية في الوقت المناسب لتجنب الفناء النووي. إن لم نكن نريد ذلك، فعلينا أن نؤكد هوية البشر بأنّهم الكائن المبتكر الوحيد المعروف في الكون حتّى الآن.

ولذلك، دعونا نبتكر حركة جماهيريّة من أجل تحقيق الأهداف المشتركة للبشر، ومن أجل رؤية المستقبل كعالم حققنا فيه الأمن في مجال الطاقة والمواد الخام للبشرية جمعاء، ومن أجل إنشاء قاعدة صناعية على سطح القمر لتعدين الهليوم، ومن أجل إنتاج طاقة مصهورة ومواد أولية أخرى، والتي ستمنحنا الظرف لخلق اقتصاد نظائر وإجراء عمليات طبية دقيقة، ومن أجل تصنيع دوافع فضائية ذات تسارع ثابت الجاذبية، ومن أجل السفر في الفضاء إلى أبعد الأجرام السماوية. وإلى حيث سنكون قادرين على الدفاع عن كوكب الأرض.

لن يكون «طريق الحرير» مجرّد صلة بين الأمم على الكوكب، مثل «طريق الحرير» القديم، بل سيكون هو «الجسر الأرضي العالمي» الذي يربط جميع القارات، والذي سيؤدي إلى رفع البشرية إلى النجوم، يجب أن نعيد تأكيد تعريف البشرية من خلال «طريق الحرير الجديد»، بأننا ننتمي إلى الأنواع المبدعة التي ستنسجم مع النظام الكوني.

نموذج تنمية يتناغم مع الطبيعة البشرية

طريق الحرير الجديد ليس مجرّد علاقة بين الصين وآسيا الوسطى وأوروبا، إنّه تصوّر مفتوح لتنضمّ إليه كلّ دولة على سطح الأرض. عند النظر إلى الخريطة فإنّ هذه الأمم تشكّل أكثر من نصف البشرية، وهي تشترك في نموذج يختلف تماماً عن ذلك الذي عهدناه في الولايات المتحدة أو أوروبا. تطورت الصين بشكل لا يصدق خلال الثلاثين عاماً الماضية، حققت فيها ما استغرقت دولاً تدعو نفسها بالمتقدمة قروناً لإنجازه، وهي الآن تعرض نموذجها للتنمية على الدول المشاركة في «طريق الحرير الجديد». إنّ هذا المفهوم جديدٌ على الإنسانيّة، وهو يحاكي الهويّة البشرية كما يحددها المستقبل، وعلاقتها مع النظام الكوني. يعمل هذا الجزء من العالم حالياً بمبادئ مختلفة كليّاً. وليس «طريق الحرير» مفهوماً جيوسياسيّاً، فهو يستبدل المصالح الوطنية كأساس للتعامل بين الأمم، بالتعاون فيما بينها من أجل تحقيق المصلحة المشتركة للإنسانيّة.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 830
عد إلى الأعلى