كسر حصار الحرب الإعلامية: تجربة حزب العمال البريطاني

كسر حصار الحرب الإعلامية:  تجربة حزب العمال البريطاني

قبل الانتخابات العامة البريطانية التي جرت مؤخراً، أجرت مجلة «Jacobin» حواراً صحفياً مع مات زارب-كوزن المسؤول الإعلامي السابق للقيادي في حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين. وقد عكست أجوبة كوزن النهج الإعلامي والسياسي الذي سارت عليه حملة حزب العمال، وأضاءت على أبرز محطاتها.

تعريب وإعداد: عروة درويش


تتم اليوم قراءة هذا اللقاء بوصفه تعليقاً مسبقاً على الحملة التي كانت على وشك الانطلاق. فبالإضافة إلى توقعه بأنّ حزب العمّال «سوف يحقق أكثر بكثير ممّا يتوقعه الناس»، فقد تنبأ كوزن مشدداً على ضعف تيريزا ماي بشكل يلفت الأنظار، حيث أكد: «لقد بنى لها الإعلام صورة لا تتلاءم مع أيّ توقّع بشأنها، ناهيك عن حقيقتها. كلّما رأى الناس ماي أثناء الحملة أكثر، كلّما قلّ دعمهم لها».
كما أظهرت المقابلة تصورات كوزن بشأن العمل مع الإعلام البريطاني، واعتقاده بأنّ تأثير الأخير سوف يتضاءل. لقد عنى الهجوم المركّز على كوربين على مدى عامين بأنّ المنشورات السلبية قد «تمّ تحديد ثمنها». والآن، وبعد ما يزيد عن الأسبوعين على حدوث الانتخابات، أجرت المجلة حواراً آخر مع كوزن للتحدّث عن الحملة:
ما الذي جرى كما ينبغي مع كوربين والعمّال؟ ولماذا لم يتمكن الإعلام من إخراج الطفرة عن مسارها؟
لقد صوّت حوالى 13 مليون شخص لصالح حزب العمّال في 8 حزيران، ليسخروا بذلك من يوم الاستحقاق الذي تنبأ به الإعلام.
لماذا حدث ذلك برأيك؟
لا يعمل النظام الحالي بشكل جيّد بالنسبة لكثير من الناس، وقد أدرك المحافظون بأنّ بريكست كان أمراً مفصلياً، ويعني أكثر من مجرّد مغادرة الاتحاد الأوربي – لقد كان تصويتاً للخروج من الحال الراهن.
حاول خطاب تيريزا ماي الأول أن يظهر بأنّ حزب المحافظين يدرك أنّ النظام ليس فاعلاً بالنسبة للناس العاديين. لكن معتقداتهم وكونهم محافظين منعاهم من الانتقال للمرحلة التالية، وتقديم بيان رسمي من شأنه تحويل حياة الناس.
عندما تمّ تسريب بيان حزب العمّال، تمّت إثارة كميّة هائلة من المؤامرات. لقد كانت السياسات شعبية جدّاً، وقد منحها الإعلام تغطية كبيرة. أظنّ بأنّ هذه الانتخابات هي الأولى التي لعبت فيها وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً. لم يكن الأمر متعلقاً بالمضمون الذي أنتجه حزب العمّال وحسب، بل تعلّق الأمر بالخارجيين، بصائغي الرأي العام مثل «نوافارا» و«صوت غاضب آخر» و«الكناري». إنّ أكثر عشرة روابط تمّت مشاركتها عبر فيسبوك أثناء الانتخابات العامّة كانت إمّا مؤيدة للعمّال أو مناهضة للمحافظين، لتحقق قرابة نصف مليون مشاركة لكلّ منها. لذلك نحن نتحدث عن أرقام كبيرة، تصل إلى أعداد ضخمة.
ثمّ هنالك أصحاب التأثير مثل «لو-كي» و «جي.إم.إي» الذين أنتجوا محتوى انتشر كالنار في الهشيم، ووصل إلى أجزاء من جمهور الناخبين، لم يعتد السياسيون أو الأحزاب السياسية أن يحاولوا الوصول إليهم. لقد كان هؤلاء بالتحديد هم جمهور الناخبين صغار السن.
لقد مثّل جيرمي كوربين مرشحاً استثنائياً لرئاسة الوزراء، يستطيع تنفيذ هذه المبادئ وتسجيل نوع من النزاهة غير المألوفة في السياسة المهنية التي يدفعها الإعلام. طوال حياته المهنية، كان مثابراً ويتحدث بما يجول في ذهنه حول قضايا لم تكن شعبية في ذلك الوقت. الشباب يسخرون من السياسيين، يفكّرون: «انظروا إلى ما يقولون فقط كي يفوزوا بالانتخابات». إنّهم يريدون سياسيين نزيهين، ويتحدثون بشكل مباشر، وقد ملأ كوربين هذا المكان.
كان هنالك أيضاً وهنٌ في وسائل الإعلام الرئيسة. لقد غطوا جيرمي كوربين قبل الحملة بطريقة سلبية جداً، ممّا أفقدهم موضوعيتهم أمام الناس، وبالتالي مصداقيتهم. وقد سمح هذا لانتشار الكلام عن أنّ الانتخابات كانت معركة بين الشعب والمؤسسة، ولهذا فاز العمّال بدعم 12.8 مليون شخص.
يجبر القانون الانتخابي وسائل البث على الحفاظ على درجة معينة من الحياد لم نرها في العامين الماضيين. لكنّ هذا على أيّة حال لم يمنع الإعلام المطبوع من استهداف كوربين وحزب العمّال. لماذا فشلت هذه الهجمات برأيك؟
كانت وسائل الإعلام المطبوعة معادية لجيرمي منذ اليوم الأول. لقد تكلموا عنه أقصى ما يمكن خلال العامين الماضيين. وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الانتخابات، كان الجمهور قد ملّ الكثير ممّا قيل. لم يكونوا مهتمين بالأمور التي كان قد قالها جيرمي أو فعلها في الماضي، أرادوا أن يعرفوا ماذا سيفعل لأجلهم.
تولى طبيب العظام لنتون كروسبي الحملة الانتخابية للمحافظين. وقد همّش تيريزا ماي والكبار لدى المحافظين، وكرر الأخطاء ذاتها التي ارتكبها خلال حملة زاك غولدسميث لمنصب عمدة لندن. لقد شن حملة سلبيّة بشكل كبير. ونتيجة لذلك، لم يكن لدى المحافظين رسالة إيجابية ليوصلوها للبلاد.
إنّ ما تقوم به خلال حملة انتخابية عادة، هو أن تستهدف نقاط قوّة خصمك. حاول لنتون كروسبي استهداف ما كان يعتقد أنه نقطة ضعف جيرمي. ولكن الكثير من نقاط ضعف جيرمي المتخيلة كانت قد فقدت أثرها بالفعل. لقد استطاع الجمهور أن يصلوا لاستنتاجاتهم الخاصّة، بعد أن رأوا كوربين بأنفسهم بعد كل الهجمات عليه. فكلما رأوه أكثر تبعاً لقواعد البث الانتخابي، وكلما سمعوا رسالة حزب العمّال للبلاد، كلما تحسن التصويت.
تحول المد بقوة ضد تيريزا ماي في الصحافة. وكان أفضل تجسيد لذلك صحيفة «Sun»، والتي كانت تهاجم كوربين في يوم، ثم في اليوم التالي وضعت صورة ماي وهاجمتها. ما الذي أدّى لتغيير الاتجاه بهذه السرعة؟
الصحف في النهاية هي مجال أعمال صرف. وللحفاظ على عدد قراء كبير فعليك أن تعكس الرأي العام إلى حدّ ما. لقد انخفضت معدلات الموافقة على تيريزا ماي خلال الحملة الانتخابية، لأنّ الناس رأوها على حقيقتها. وأصبح الإعلام المطبوع حينئذ، وبغض النظر عن انتمائه السياسي، يعكس ذلك عبر المقالات التي ينشرها.
هل إصلاح وسائل الإعلام شيء يجب على مؤيدي حزب العمّال أن يأخذوه على محمل الجد؟ وماذا يعني ذلك؟
أعتقد بأنّ «الاندبندنت» هي مثال مثير للاهتمام. حاولوا أن يكونوا أكثر توافقاً مع جيرمي كوربين، وشهدوا ارتفاعاً في نسب المشاهدة على الإنترنت نتيجة ذلك. وهذا جعلهم يتفوقون بكثير على المطبوعات المنافسة. أعتقد أن الكثير من وسائل الإعلام، القديمة منها والجديدة على حد سواء، تستيقظ على حقيقة أن 40% من البلاد: 12.8 مليون شخص صوتوا من أجل بديل سياسي. إنّ الشعور المناهض للمؤسسة عميق جداً. سيكون هنالك بعض الإصلاح في وسائل الإعلام، تحت ضغط السوق قبل أن يكون هناك تشريع.
ومن المهم أن يفهم الناس من يمتلك ويتحكم بمختلف وسائل الإعلام. هذا سيساعدهم على فهم لمن يميلون، ولماذا يعلنون قصص معينة بطرق معينة. هنالك حاجة إلى بذل جهد كبير لبناء وعي أوسع بهذا الأمر. يحتوي حزب العمّال بين كوادره على بعض أكثر الناس إبداعاً وديناميكيّة في بريطانيا، ممّن يعلمون الجمهور الأوسع من سكان العالم حولهم، ويعرضون بدائل حقيقية. إنّ شرح كيف ولماذا يتصرف الإعلام بهذا الشكل للعامّة هو أمرٌ أساسي لجميع من يتمنى بناء مجتمع أكثر ديمقراطية، لكن علينا أيضاً أن نبني مؤسسات إعلامية جديدة، سواء أونلاين أو بشكل تقليدي، تعطي الناس نظرة أوضح عن العالم المحيط بهم.
برأيي: إنّ المطلب الرئيس من أجل إصلاح وسائل الإعلام هو العمل لأجل «تقرير ليفيسون» ثانٍ. لقد وعد المحافظون باستئنافه بعد أن توقفت الإجراءات الجنائية، ثمّ تخلو عن الأمر بهدوء لصالح حلفاء إعلامهم من الجناح اليميني. علينا أن نحاسبهم على ذلك.
شهد العامان الماضيان حملة من التخريب المستمّر ضد كوربين من قبل اليمين داخل حزب العمّال وآلة الحزب. قد يقول الكثير من مؤيديه بأنّ هذا هو السبب الذي منع الحزب من الفوز الصريح في الانتخابات. هل تتبنّى هذا القول؟
أعتقد أن محاولة الانقلاب في العام الماضي كانت مؤذية جداً، فقد أظهرت الحزب بصورة سيئة وأضرّت بنسب الموافقة على كوربين وعززت خصوم العمّال. خاصّة في اللحظة التي حدثت فيها، خلال أزمة ما بعد الاستفتاء، حيث فقدنا ثقة الجماهير ولم يكن الناس راغبين بالاستماع لنا حتّى موعد الانتخابات.
بعيداً عن الحملات الانتخابية، يبحث الجمهور عن أسباب تدفعهم لعدم محبّة السياسيين لأنّهم لا يصوتون في اللحظة ذاتها. أعطى قنص المعارضين الداخليين تجاه كوربين للناس هذا السبب، ولهذا فقد اضطرّت رسالة العمّال الإيجابية والشعبية للخوض في هذه التعقيدات.
ولم ينتهِ الأمر عندما بدأت الانتخابات على كلّ حال، بشكل يخالف الانسجام والوحدة. قضى أعضاء الحزب ثمانية أسابيع وهم يقومون بحملة من أجل حكومة عمّالية، بينما كان مرشحون عمّاليون من يمين الحزب يكتبون الرسائل إلى ناخبيهم أو يقومون بإجراء انتخابات صحفية محلية ووطنية لإدانة قيادة الحزب. وعد أحد النواب ناخبيه بأنّه سيصوّت ضد استلام كوربين لرئاسة الوزراء إن تمّت إعادة انتخابه.
لو أنّ حزب العمّال قد خاض الحملة بشكل رأسي، أي: لو لم يكن لدينا كلّ هذا التخريب ولو لم يستمر أثناء الانتخابات حتّى، أعتقد بأننا كنّا نربح الانتخابات.
كيف تظنّ بأنّ نوّاب حزب العمّال سوف يستجيبون لنتائج الانتخابات، وخاصّة أولئك الذي كانوا ينتقدون قيادة الحزب؟
أعتقد بأنّ ذكرى عام 1983 حيّة في أذهان البعض، لكنّ 2017 سيحيا لفترة أطول، لديّ بعض التعاطف تجاه أولئك الذين عاشوا فترة هزيمة مايكل فوت، واعتقدوا بأنّ الشيء ذاته كان سيحدث في 8 حزيران، لكن باعتقادي أنّه يظهر قراءة خاطئة للوضع. في عام 1997 كان على حزب العمل الجديد أن يتكيّف مع الإجماع الاقتصادي لتلك الحقبة. أمّا في عام 2017، وفي مرحلة ما بعد الأزمة المالية البريطانية، لم يعد لهذا التوافق الاقتصادي وجود. على حزب العمّال أن يتأقلم من جديد.
لقد تغير السياق، والعالم الذي نعيش فيه الآن يختلف كثيراً عن ذاك الذي ضرَّس الكثير من النواب أسنانهم فيه. إن كانوا يريدون البقاء متلائمين فلن يكون لديهم خيار سوى التموضع خلف القيادة، والفشل في فعل ذلك سيؤدي بهم فقط للعيش على الهوامش.
في رسالة تمّ إرسالها إلى صحيفة الغارديان، طلب 40 نائباً في البرلمان من العمّال أن يعكسوا موقفهم من بريكست وبأن يستمروا في العضوية في السوق الموحدة. هل هذه دلالة على المزيد من التصدّع في البيت الداخلي؟
أنا آمل بكل تأكيد بألّا يبدأ هذا الأمر من جديد، كما أنني لا أعتقد بأنّ ذلك سيحدث. لقد أعلنت عدّة أصوات موقفها المناهض للقيادة، وأنا أفكر في كريس ليزلي ونيل كويل على وجه الخصوص، ولكنّهما ليسا من المحتمل من ناحية شخصيتيهما أن يطرحا سؤالاً بسيطاً: «هل تريدون أن تكونوا معنا، أم أنّكم تريدون أن تكونوا ضدنا؟».
وفيما يتعلق بمسألة بريكست، فإنّ الكثير من النواب الذين وقعوا على تلك الرسالة، خرجوا بالنيابة عن دوائر تؤيد البقاء ويحق لهم الإعراب عن معارضة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن عليهم أن يقبلوا أنّ رأيهم أقلية، تبعاً للرأي السائد في البلاد. وهو أيضاً رأي أقليّة في الحزب في هذا الوقت. يحق لهم القيام بحملة لتغيير السياسة داخل الحزب، ولكن عليهم أيضاً أن يقبلوا بأنّ 12.8 مليون شخص صوتوا لصالح حزب العمّال من أجل اتباع استراتيجية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الواردة في البيان الرسمي للحزب، وهي الاستراتيجيّة التي تهدف إلى حماية حقوق العمّال، إنّ محاولة تقويض الحزب أو قيادته على هذا الأساس في العلن، بدلاً من مناقشة هذه القضايا بشكل داخلي، ستنعكس بشدّة على الحزب.
في استطلاع أجرته «يوغوف» مؤخراً، تمّ سؤال المقترعين: «هل تعتقد صراحة بأنّ حكومة اشتراكية سوف تجعل حياتك أفضل؟» أجاب 43% بنعم، و36% بلا. كيف يمكننا إقناع الـ 21% الباقين الذين كانوا غير متأكدين أو لا يعلمون؟
الدعم الذي تمّ حشده لبيان الحزب الرسمي خلال فترة قصيرة نسبياً من الحملة الانتخابية، كان أمراً مذهلاً. لا يعمل النظام بشكل جيّد بالنسبة للغالبية من الناس: لقد ركدت الأجور لفترة طويلة، وقد أصبح التقلقل في العمل هو العادة، وهنالك أزمة سكن دائمة، والناس تكافح حقّاً لتكفي احتياجاتها. لو لم يكن لدينا قيادي في حزب عمّال يساري، يقترح بديلاً للوضع للراهن، فأظنّ بأنّ خيبة الأمل العامّة في المجتمع وفي السياسة سوف تزداد، وبأنّ الغضب سيؤدي إلى بعض العواقب الوخيمة.
لكن ليس بإمكاننا أن نعتبر بأنّ الدعم العام من المسلمات. فكما قال القائد النقابي لين مكلوسكي: «لا يملك حزب العمّال حقّاً إلهياً مفروغاً منه بالوجود». إنّ علينا أن نكسب ثقة الناس لنثبت لهم بأننا نستحق دعمهم. يتخطى هذا النوع من السياسة وضع علامة على مربع في يوم الانتخابات. لا يكفي أن ندق أبواب الناس مرّة كل خمسة أعوام. عليك أن تثبت للناس بأنّه يمكنك أن تجعل حياتهم أفضل، سواء كنت في السلطة أم لا.

موسومة تحت

بريطانيا,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 817
عد إلى الأعلى