العلم الرسمي حسم أمره - من جديد: «الإنسان مجرد مشاهد سلبي»!

العلم الرسمي حسم أمره - من جديد:  «الإنسان مجرد مشاهد سلبي»!

في مقالة منشورة في مجلة «الرائد في علم النفس» (Frontiers in Psychology)، التي تُعنوِن على صفحتها على الإنترنت: أنها المجلة العلمية الأكثر ذكراً ومرجعية في علم النفس متعددة المجالات (Multidisciplinary)، في إصدارها الشهر الماضي(تشرين الثاني)، بعنوان “مطاردة قوس قزح، الطبيعة غير الواعية للوجود”، للكاتبين دفيفيد أوكلاي (جامعة كلية لندن_ المملكة المتحدة) و بيتر هاليغان (جامعة كارديف_ المملكة المتحدة)، يناقش الكاتبان طبيعة الوعي ومنشأه، وظفيته وموقعه الاجتماعي وعلاقته بالإرادة والمسؤولية الفردية.

 لا جديد لدى أوكلاي وهاليغان
الموقف من طبيعة الوعي ومنشأه، هو موقع صراع فلسفي_ سياسي على طول خط التاريخ الإنساني، فبينما يريد التيار غير العلمي وغير التاريخي أن يعزل الوعي عن منشئه الاجتماعي، يعتبر الموقف العلمي التاريخي، أن الوعي من منشأ اجتماعي تاريخي يعكس الواقع الاجتماعي_ السياسي في غناه وتعقده وانقسامه كذلك. إذا في هذا الانقسام تقع إحداثيات المقال_ ”البحث”، وهو كما يحمل مضمونه ينتمي إلى التيار اللاتاريخي، المثالي_ الغيبي.
ولكنه وبثقة عالية، كما كل ممارسة فكرية تريد طمس الحقيقة، يحدثنا بلغة البداهة والمطلق و»الحياد»، “فهذا علم، وهل من يرفض العلم؟”_ يقولون.

الوعي كانعكاس سلبي
يعتبر الكاتبان من مجمل ما في المقال: أن الوعي هو انعكاس سلبي لآليات لاواعية في الدماغ، يتلقى الوعي نتائجها كمتفرج ومتلقٍ سلبي، حيث يكون الوعي بذلك هو المنتوج النهائي لهذه الاليات التي لا يملك الوعي أي تأثير عليها، من هنا الإشارة لظاهرة قوس قزح في عنوان البحث حيث هو نتيجة ظواهر فيزيائية (الضوء والماء في الجو) ولا دخل له في التأثير على أساسه الفيزيائي.
بذلك يكون الوعي، الذي هو “الحقل الانعكاس للواقع والنشاط الإنساني فيه” كما يعتبره ليونتييف الباحث السوفياتي، هو مجرد مرآة سلبية، وهنا ترداد لنظريات نفسية من بدايات القرن الماضي أساساً ولا جديد فيها. ولكن حسب ليونتييف الذي قال مع أصحاب المادية التاريخية: أن الوعي هو النتاج الحي للنشاط الإنساني، فالوعي هو محصلة تاريخية للمجتمع البشري وظهور الاداة بشكل رئيسي، أي: بتكثيف عام: نتاج العمل. إذاً وفي منشئه يكون الوعي حياً وفاعلاً لا سلبياً متفرجاً.

الانقسام الطبقي ومعناه في الوعي
يعتبر التيار المادي التاريخي أيضاً: أن الصراع الطبقي ينتج عنه انقسام في الوعي الإنساني، بين الفكر الذي هو أداة التفكير من جهة، وبين عمليات الوعي وحاجات الفرد ووجوده الموضوعي الاجتماعي من جهة أخرى. فالمجتمع الطبقي المتناقض يفرض فكراً سائداً معادٍ للإنسان، متغرباً عنه وعن حاجاته، تشويهياً بوظيفته للواقع «الخارجي والداخلي». هكذا يمكن القول: إن «الوعي» قد حُرم من أداة معرفته بذاته وبنفسه وبالعالم، بسبب الفكر الرأسمالي (راهناً) الذي يشوه الحقيقة.
على هذا الأساس يمكن المحاججة بوجود آليات يطمسها هذا الوعي المشوه، لا إعطاء صفة المطلق على الحد الفاصل بين الوعي وأصله. ولكن وبالرغم من هذا الانقسام القصري في الوعي لا يعني ذلك أن الوعي هو متفرج سلبي بالرغم من التعمية فيه، بل هو فاعل نشيط لسبب أساس: أنه منخرط في الحياة المادية الحقيقية المنتجة له، أي: مصدر الآليات «اللاواعية» التي تكلم عنها المقال. وبالتالي للوعي أن يرفض ويختار ويحدد ويقيّم سبب حزنه/سعادته، استغلاله/كرامته... ليس هذا فقط، بل له أن يعرف كيف تنتج هذه الأفكار والمشاعر التي يمكن دراستها ومعرفتها، وليست خارج فعل الإنسان بالمطلق، بناءً على وعيٍ نقيضٍ علميٍ تاريخيٍ، يكشف ما هو مطموس.

عدمية-رجعية
ما لم يقله المقال، كالمعنى صريح فيه، هو: أن الإنسان غير قادر على المعرفة، وآليات الوعي ثابتة لا تتغير، وإن تغيرت فالفرد يتلقاها بسلبية، فتكمن وظيفة الوعي فقط في التواصل مع الواقع والآخرين والتأقلم وتلقي المشاعر والأحاسيس. إذاً هو مسلوب الإرادة، عاجز عن اختراق «الوجود الخفي». إذاً البشر كلهم بذلك، يقومون بأدوار غير واعية لهم، كممثلين على مسرح، وهناك «ما هو خلف المسرح يُحرِّك» كما قال البحث المنشور.

أبدية الرأسمالية
الخلاصة السياسية، هي: أن المقال يقول بأبدية الواقع كما هو، فهو قد أقام «من أمامهم سداً ومن خلفهم سداً»، فكيف لنا أن نغيّر ما لا نملك سلطاناً عليه. وهو المحرِّك من خلف الستار؟! فإذا كان الأفراد لا يملكون التأثير على أنفسهم، فهم إذاً لا يملكون التأثير على واقعهم، وكيف يمكن لهم ذلك، والاستغلال والظلم والكره والعدوانية والقتل والتدمير والطمع، هي نتاج آليات غير واعية لا يمكن التأثير فيها، لا لدى من يملكها ولا لدى من يتلقى أضرارها.
هكذا هو العلم السائد، لا يقول جديداً، بل يعيد إنتاج التيار الرجعي العدمي في لبوس «عصبي_ نفسي» كما قدم الباحثان «أدلَّتهما» المدعومة بلغة عصبية_ نفسية.
الشيء المؤكد، أن التاريخ يتحرك دون إرادة الكاتبين، وأصحاب هذا التيار العدمي_ الرجعي، فخيار السلبية يعني الموت في عالم الرأسماليّة المنهار في أمراضه ومآسيه. القوى الحية هي من تغيّر وتصنع المعرفة، أما «القابعون في قبحهم» على حد تعبير «مهدي عامل» لهم هم وحدهم أن يتفرجوا على انهياره.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 843
عد إلى الأعلى