الشيوعية أو الانقراض، الاحتباس الحراري (3)

الشيوعية أو الانقراض، الاحتباس الحراري (3)

تحدّث الجزء الثاني من هذا المقال عن «فشل الحلول السوقية» النيوليبرالية التي ناقشتها الباحثة الماركسية الأسترالية د.ويستون في أطروحتها «الاقتصاد السياسي للدفيئة العالمية» (2012) والتي أعلنت فيها بوضوح، فيما يخص منهج بحثها، أنّ: «العقيدة المركزية في النظرية النقدية، هي اعتبار المعارف تاريخيةً كلها في سياقاتها، وسياسيةً في طبيعتها». ونتابع في هذا الجزء تلخيص باقي الحلول النيوليبرالية لهذه المشكلة.

 

من المفارقات الأخرى التي تبين إلى أي مدى وصلت الرأسمالية في عدوانيتها للطبيعة والإنسان، وتغريبها لهما، إنّ آليات السوق والمشتقات المالية، بما فيها تلك التي تسمى المستقبليات أو العقود الآجلة (futures)، باتت تستخدم أيضاً في تجارة الانبعاثات الكربونية، فعلى سبيل المثال: تستطيع شركة أن تبيع صكوك الائتمان الكربونية التي حصلت عليها لقاء استثمارها بزرع الأشجار في بلد فقير، باعتباره مشروعاً «صديقاً للبيئة»، على أساس عقود آجلة، معتبرةً أن مشروعها قد اكتمل وامتص فعلاً وسلفاً كمية معينة من انبعاثات CO2، في حين أن المساحة التي زرَعَتها سوف تستغرق عقوداً من الزمن لتتحول إلى أشجار تستطيع امتصاص الكمية المزعومة من الكربون. 

حتى لو افترضنا تحقيق هدف اتفاقية كيوتو، بتخفيض الانبعاثات بنسبة 5% دون مستويات العام 1990، فإن هذا لا يكفي للعبور إلى شاطئ الأمان البيئي المستقبلي، لأنّ رقم الأمان المطلوب لمكافحة فعالة لظاهرة الاحتباس الحراري، وفق معظم الدراسات والأبحاث الأكثر استقلالية، هو: أن لا يقل تخفيض الانبعاثات عن 60 – 70 %.

ثانياً – «الحلول» التكنولوجية

الفئة الثانية من الإجراءات التي في جعبة النيوليبرالية البائسة لحل مشكلة الاحتباس الحراري هي «الحلول» التكنولوجية ومنها:

التقاط وتخزين الكربون

وهي تقنية اقترحتها شركات الفحم، وتقوم على التقاط غاز CO2 من محطات طاقة الوقود الأحفوري، وضغطه ليصبح سائلاً كثيفاً، ثمّ ضخّه (دفنه) عميقاً في باطن الأرض. المشكلة في هذه التقنية أنها سترفع كلفة إنتاج الطاقة بنحو 50%، ولا يتوقَّع في الحسابات الرأسمالية الساعية للربح الأعلى أن تعتمد مثل هكذا تقنية على نطاق واسع، وليس قبل عدة عقود، والأزمة البيئية الحالية لا تتحمل هذا التأجيل (تتحدث ويستون عن تقديرات تُلزمنا بإيجاد حلّ قبل نقطة اللاعودة المفترضة وهي نحو العام 2022 فقط!).

الطاقة النووية

هناك أسباب عدة لا تجعل هذه الطاقة حلاً معوّلاً عليه كمصدر مستدام للطاقة المستقبلية، نذكر على الأقل أنها محفوفة بمخاطر صحّية على الإنسان والكائنات الأخرى، ومصاعب تقنية كذلك، ليس في توليدها، بل في عزل النفايات المشعة المميتة الناجمة عنها، والتي تحتاج إلى عزلها عن بيئتنا لمدة 244 ألف عام، فضلاً عن أنّ اليورانيوم هو مورد محدود وقابل للنضوب، ويُقدَّر بأنه سيصبح شحيحاً جداً بحلول عام 2020 في حال تمّ اعتماد الطاقة النووية كمصدر أساسي للطاقة.

مصادر الطاقة المتجددة

كالطاقة الشمسية، والرياح، وأمواج البحر... ربما تكون هذه المصادر حلاً مستقبلياً مستداماً من ناحية تجددها، لكن ثمة مسائل عالقة لم تحل بعد، من ناحية مدى استدامة سلامتها وصحيتها، نظراً لأنّ آليات توليدها، تحتاج مثلاً للتنقيب عن عناصر فلزية نادرة مثل السيليكون، الأمر الذي يترافق مع تأثيرات سمية للتربة.

ثالثاً – «الحلول» البيولوجية

الوقود الحيوي كبديل عن الوقود الأحفوري، هو وقود مشتق من مواد بيولوجية (الديزل الحيوي، الغاز الحيوي، الميثان...). المشكلة أنّ مردوده ضئيل في أحسن الأحوال، كما أنَّ استخدامه ينطوي على إتلافٍ للبيئة، وتلوثٍ، وأضرارٍ صحية. ويعطينا أحد تقارير منظمة أوكسفام (2008) مثالاً عن نتائج تبنِّي هذا الحل البيولوجي ضمن منظومة العلاقات الرأسمالية، إذ ذكر التقرير بأنّ نحو 30% من ارتفاعات الأسعار (وخاصة أسعار الغذاء) خلال السنة السابقة يعزى إلى الوقود الحيوي، الأمر الذي تسبب بتهديد حياة نحو 100 مليون إنسان، ورمى بأكثر من 30 مليون إنسان تحت خط الفقر.

هناك فرضية قوية تقول: أنه حتى لو تحولت البشرية منذ الآن إلى اقتصاد معتمد كلياً على الطاقات النظيفة فإنّ هذا التحول التكنولوجي وحده غير كافٍ إذا واصلت البشرية مستويات استهلاكها الحالية، التي هي أسرع بنحو 44% من قدرة الطبيعة على الامتصاص وتجديد نفسها. 

الدَّيْن الإيكولوجي

يتحدَّث عدد من الباحثين الإيكولوجيين التقدُّميين عن «الدَّين الإيكولوجي»، وهو الدَّين المتراكم على بلدان الغرب الإمبريالي، والمستحق دفعه كتعويضات عن استغلالها ونهبها لبلدان الشرق الفقيرة، وتحويل بيئتها إلى مكبّ لنفاياته. ومنهم من اعتبر أنّ هذا الدَّين عابر للأجيال، بحيث سنظل لعدة أجيال لاحقة مضطرين إلى تحمّل أعباء ما خرّبته الإمبريالية، لكي نرمّم بيتنا الكوكبي الذي أفسده الرأسمال بعفونته.

وحتى في الوقت الراهن، تنبّهُنا هذه الفكرة لقضية ينبغي أخذها بجدّية في ترتيبات وضع إعادة الإعمار بعد حروب العدوان الإمبريالية والفاشية الجديدة، كما حدث في سورية وغيرها، ولا سيما في عالم اليوم الذي يسمح فيه التوازن الدولي الجديد للشعوب التي وقع عليها الظلم، بأن تطالب المعتدين عليها بسداد الدَّين الإيكولوجي أيضاً ضمن سلّة التعويضات الأخرى التي يجب أن تطالب بها.

خلاصة

إنّ الاحتباس الحراري والأزمات البيئية الأخرى هي في النهاية أزمة منظومة، أزمة التشكيلة الاقتصادية_ الاجتماعية الرأسمالية، وليست أزمة تكنولوجية بحتة، لذلك فإنها لا يمكن أن تحل بآليات رأسمالية. وتهديد الاحتباس الحراري بإفناء النوع البشري يكفي لوحده كي يجعلنا اليوم نصنّف موضوعياً كل طرح يستبعد أن تشهد العقود القليلة القادمة القضاء النهائي على الرأسمالية، وبناء اشتراكية القرن الواحد والعشرين، على أنه طرح طوباوي، وغير علمي، ورجعي، ومتخلّف.

 

الشيوعية أو الانقراض، الاحتباس الحراري (2)

الشيوعية أو الانقراض، الاحتباس الحراري (1)

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 838
عد إلى الأعلى