صورة المستقبل في حوار السياسة والعلم

صورة المستقبل في حوار السياسة والعلم

أَبرَز ماركس وبشكل أساس في كتابه «رأس المال»، أن تمايز «ذكاء» الإنسان عن أنواع «ذكاء» كائنات حية أخرى بأن الإنسان يرسم صورة غاية نشاطه في «رأسه»(وعيه) مسبقاً، ويكون نشاطه تحقيقاً لهذه الصورة- الهدف المحدِّد لطابع النشاط ووسائله بعيداً عن الشكل الآلي للمارسة.

وهذا التمييز يرتبط بحركة الوعي بشكل عام، وبأهداف الإنسان ككل، فغياب وجود الهدف أو وضوحه ينعكس تعطلاً وبأحسن الأحوال تخبطاً للنشاط الإنساني.
الدماغ كحامل مادي
للعمليات العقلية
تطوير هذه النظرة حول حركة الوعي الإنساني تم بشكل متبلور لاحقاً، وتحديداً من قبل مؤسس تيار النفس-عصبيات والنفس-فيزيولوجيا في الاتحاد السوفييتي «ألكسندر لوريا»، الذي درس العمليات-الوظائف العقلية العليا والدماغ كحامل مادي لهذه العمليات واضطرابات الدماغ والوعي، وذلك استكمالاً لأعمال المدرسة الثقافية-التاريخية التي أسسها فيغوتسكي سابقاً.
ومن مساهمات لوريا هي النظرة إلى سلوك الإنسان الإرادي وحركة الوعي القصدية أو«التَوَقّعية»، أي: سيرها زمنيا تجاه المستقبل، وما هو قادم في المستقبل، ومجمل ما يعنيه ذلك من عمليات عقلية ونفسية تسير في طريق الزمن القادم.
انهيار الحلم الرأسمالي والوعي
الأزمة الرأسمالية وانسداد أفقها التاريخي انعكس وينعكس على مستويات الفكر والثقافة والوعي بالمعنى التاريخي، وما تم الترويج له من أهداف ليبرالية عن الحلم الذاتي بمختلف أشكاله ومضامينه.
من وجهة نظر «لوريا» لحركة الوعي «التوقعية» فإن انهيار صورة المستقبل «الوهمية» التي وعدت بها الرأسمالية الإنسان يعني انهيار هدف الإنسان، حتى لو كان الهدف وهمياً، والمقصود بالهدف صورة المستقبل ونمط الحياة ككل، ما يعني تعطل وانهيار ما يمكن أن يكون عامل تماسك الوعي وسياقه ومجراه، وبالتالي تفككه وتخطبه على أرضية الفكر المحصور بالسائد.
الخوض في معاني هذا الانهيار في الوعي ضروري لوعي مزاج الناس وتناقضاته وتطلعاتها بناء على معاناتها في هذا الفراغ الحياتي المستقبلي والاغتراب الحاضر اليومي، ولكنّ تركنا هذه المعاني، والتوسع فيها من أجل بلورتها في قضايا برنامجية ملموسة لاحقاً، ستكون الإشارة هنا إلى ضرورة هذا التوسع في ذاته.
هذا الربط المباشر بين حركة الوعي والسياسة واللحظة التاريخية ضروري لسبب موضوعي هو بروز هذا التناقض اجتماعياً وعدم انحصار عملية التغيير بالمطالب المادية «الجسدية» للناس، وإن كانت حالياً الحرب كمسيطر على فضاء الخطاب في العديد من دول المنطقة، ولكن هذا السياق في الأزمة المستقبلية عالمي لا ينحصر في الدول التابعة والطرفية فقط.
قوى التغيير وبناء صورة المستقبل
إذا كانت دينامية الفكر السائد تفكيكية فإن دينامية فكر التغيير بالضرورة هي توحيدية، اجتماعياً وكذلك على مستوى الوعي، ما سيماسك بدوره النشاط الإنساني وانتزاعه من دائرة التخبط وتبعاتها.
هذا يعني مسؤولية قوى التغيير أن تقدم تصورها المستقبلي لمجتمعاتنا ليس في مفهومها العام النظري فقط، بل أيضاً في انعكاس هذا التصور على حياة الناس اليومية معنوياً في نمط حياتها، أو ما يمكن تسميته الحلم الجديد أو «الحلم الواقعي» نقيضاً للحلم الوهمي اليبرالي.
هكذا نمد الوعي العام بمضمون جديد بديلاً عن المأزوم الراهن، ما سيمكنه ليس فقط من استعادة توازنه وتماسكه البنيوي، بل أيضاً في إشراكه وربطه في الحركة التاريخية التي سيصنعها هو نفسه.
هذه الصورة المستقبلية ستكون التلاؤم مع الحاجات الفعلية للقوى الاجتماعية عامة، والمقهورة كذلك، وستكون أيضاً سقف صراع الأفراد اليومي من أجل العدالة والتنمية الشاملة التي ستجد في هذه الصورة المستقبلية للنمط الاجتماعي المنشود المعاني التي يضج العالم اليوم بالسؤال عنها، فحتى الفكر الغربي الاكاديمي والعلمي اليوم بدأ يطرح أسئلة عن أزمة معنى الحياة وفشل المعاني المعممة، كالسعي للمال أو السلطة أو النجاح المهني حسب دراسات جديدة يمكن تخصيص مواد حولها لاحقاً.
العلم السياسي
والمرحلة الراهنة
المرحلة الراهنة في تعقيدها وفي موقعها التاريخي حاملة لنهاية عصر رأس المال حسب موقف بدأ يحتل موقعاً جدياً في الفكر السياسي عالمياً، هذه المرحلة تفرض أن يتضمن برنامج قوى التغيير أدوات ملموسة ومتلائمة، تشير وتؤسس لعصر إنساني جديد، في ممارسة سياسية أهم ما يميزها أنها علمية.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 823
عد إلى الأعلى