الفكري العنصري يتموه «علماً»

الفكري العنصري يتموه «علماً»

نعلم جيداً حين اشتهرت «علوم» معرفة الشخصية بكيفية تصرفات الفرد، لم تكن حول الكلام بصوت مرتفع، أو طريقة المشي فقط، بل اشتملت أيضاً على اي حركة عفوية يقوم أو لا يقوم بها الفرد. بينما يبتعد علم النفس السائد أكثر ليقول: إن أي فعل كان، هو مرتبط بمدى كبت الفرد الجنسي، تقوم هذه العلوم بربط اية حركة أو فعل بهذا الكبت، عازلين أي عامل آخر يمكن أن يؤدي إلى فعل أو ردة فعل ما.

كان فرويد، كما ذكرنا سابقاً، أول من تحدث عن كيفية اكتساب الشخصية، وعلاقتها المباشرة بمراحل العمر الأولى، وربطها بالاضطرابات النفسية والجسدية. ولكن حتى مع عوائق فرويد العديدة، الذي أصرّ على التقليل من تاثير العامل الاجتماعي في تكون شخصيتنا، يبقى الحديث مهماً من ناحية الاقتراب من فهم علاقة الاضطرابات بحياتنا الاجتماعية واليومية. وفي الحديث عن الاضطرابات لا نعني فقط الأمراض على شتى أنواعها، بل ايضاً الاضطرابات الاجتماعية، والشخصيات التي تنشأ في أي مجتمع كان، نتيجة واقع هذا المجتمع، التعريف الذي لم يعترف به فرويد.
الفرويدية الجديدة
ولكن تثبيت هذا التصنيف مع صعود العلم السائد، الذي يمثله فرويد في علم النفس، والذي أعيد إنتاجه بصيغ مختلفة لاحقاً، تحت عنوان الفرويدية الجديدة، أدى إلى تثبيت شخصيات متشابهة في المجتمعات. فأصبح للتطرف الديني شخصية تمثله، ولل«مناضل» من خلف الشاشات شخصية تمثله، مثلما أصبح للمثقف، والنباتي، والموسيقي، وإلى ما هنالك شخصيات تمثلهم، بغض النظر عن كيفية تحرك هذه الشخصية في يومياتها ومدى مرونتها أو عدمها. فما يريد تثبيته هذا التصنيف أن لكل «صنف» أو مهنة هناك شخصية تمثلها، لا تتقاطع مع جميع الشخصيات الأخرى، وتستطيع أن تكون نفسها في جميع المجتمعات، وجميع الظروف الراهنة للبلدان المختلفة. فإن لم تكن نفسها فهذا لكون شخصية المتخلف قد غلبت الشخصية الأخرى، أو لعارض ذاتي طغى على هذا الفرد فلم يستطع تكوين هذه الشخصية.
القدر المحتوم بالتخلف
وما يريد هذا الخطأ السائد تثبيته أيضاً، هو عدم وجود علاقة بين تكون الشخصية، والوعي والبيئة التي يعيش الفرد ضمنها. فالاضطرابات المرضية أو الاجتماعية، هي نتيجة قدرنا المحتوم بالتخلف حسب اعتبارهم، وليس الاحتلال والحروب والأنظمة السائدة في بلداننا، أو أي بلد آخر.
السيء ليس في تصنيف الشخصيات على النسق الفرويدي، فلا يمكننا لوم من يصنف أي عامل اجتماعي بعزله عن العوامل الأخرى بقصر النظر. السيء هو في مدى انتشار هذه الافكار، إن كنا نعي أو لا نعي ذلك، بين الأوساط «التقدمية». وباستعمالها كوسيلة للتهجم على الآخرين، ولتكوين موقف منهم. هؤلاء أَولى بلومهم بقصر النظر مِمَّنْ يحمل شعار التحرر الليبرالي، لكون تهمتهم جاهزة عند كل فعل وردة فعل، ليس بعزلهم العامل الاجتماعي فقط، بل أيضاً بنفيهم حركة الوعي وإمكان تقدمه عند الأفراد. ولكونهم حاملين شعلة التحرر بأشكاله كافة، بينما يصنفون الأفراد من كتاب أو فيديو جُهِّز في إحدى دول الغرب باستعمال وسائل الدعاية المسيطرة.
الثنائيات العلمية الوهمية
فحتى لو كرس الغرب أبحاثه جميعها ومنشوراته لينشر ذاتية اكتساب الشخصية، وعلاقتها الوحيدة بالتربية المباشرة بالأبويين، وحتى لو استفاض من يعي ومن لم يع بتصنيف الأفراد بمعزل عن وضعهم في الحياة، يبقى الواقع عصياً عن التشويه. وتبقى مهمة من يحمل شعلة التحرر الحقيقي بالخروج من هذه الثنائيات «العلمية» الوهمية، إلى علاقات تساعد الأفراد على الوجود، وبالتالي تقدم وعيهم وتكوّن شخصياتهم بشكل سوي.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 822
عد إلى الأعلى