القوي والضعيف ومحاولة تأبيد الواقع

القوي والضعيف ومحاولة تأبيد الواقع

من غير المجدي مقارنة قدرة التحمل الجسدية للرجال والنساء، ليس لأن المقارنة غير جائزة بل لأن ذلك ببساطة لا يغير في المعادلة شيئاً، ولأنه يفصل الجنسين عن موقعهم في المجتمع.

ولأن المقارنة تأتي عبر إسقاطات جاهزة مركّبة في إحدى مختبرات علم النفس السائد (الليبرالي)، عن الفروقات بين الجنسين ليس في عملهم الجسدي فقط، بل أيضاً في قدرتهم على التعبير، وماذا يفضل كل منهما. انتقلت هذه الاسقاطات أيضاً لتصبح حقائق في بعض نظريات قدرة الأطفال على الدراسة والاستيعاب، مفصلة كيف تتكون شخصية الأطفال في عمر الدراسة الأولى، بحسب جنسهم، ولماذا يمتلك الأولاد القدرة على حل واستيعاب الرياضيات، بينما لا تمتلك الفتيات هذه القدرة. المقارنة سطحية ولا تلمس أي فرد بشيء من العلمية، هي فقط تسقط مفاهيم وأساليب على الأفراد لتحدّ من قدرتهم على التحمل (الجسدي والنفسي) وتضع حدوداً لما يمكنهم أن ينتجوه. من هنا تأتي الشخصيات الخارجة عن التاريخ، التي يمكنها أن تتحمل كالرجال، أو يمكنها البكاء كالنساء.
الطبيعة تأخذ مجراها
ولكن قدرتنا على التحمل لا تحمل أي عامل وراثي فيها، فما نرثه جينياً عن أهلنا هو المظهر وإمكانية انتقال بعض الأمراض (التي أيضاً يمكن التشكيك في ما إذا كانت تحمل عاملاً وراثياً أم لا). وبالطبع يوجد فروقات جسدية (والتي أيضاً تنعكس في قدرة التحمل الجسدية والنفسية) بين الجنسين، إنما هي لا تتعدى «الطبيعة التي تأخذ مجراها». العامل الأول في قدرتنا على التحمل هو كيفية تكون شخصيتنا، وما خضناه ونخوضه في الحياة ليجعلنا قادرين على التحمل أم لا. وهنا يجب البحث في الفروقات بين الشخصية الناضجة (و«آليات دفاع» الشخصية الناضجة)، والشخصية غير الناضجة (و«آليات دفاع» الشخصية غير الناضجة)، في تحديد وتطوير قدرتنا على التحمل. وكون هذه الشخصية نتيجة عوامل عدة، تختصر بالبيئة الاجتماعية، ومنها العائلة، التربية، المدرسة، وكل ما يحيط بالإنسان ويؤثر فيه ثقافياً، تتكون فيها قدرة تحمل مختلفة عند كل فرد أياً كان جنسه. وكل العوامل المؤثرة (المباشرة وغير المباشرة) فهي تكمن إذاً في النمط الاجتماعي السائد، الذي ينعكس في جميع مرافق المجتمع، والذي يكبح أو يسمح لهذا الفرد إما بالتكوّن ضمن الحدود المرسومة، أو «الإفلات» خارجها وتطويعها.
شخصيات النظام السائد
بالطبع ليس التعليم، الإعلام، والإنتاج الفني والأدبي خارجاً هذه المعادلة، بل هي عوامل من المدافعين في الصف الأول عن النظام السائد. فمعظم الأفلام، المسلسلات، والروايات لا تقوم بطرح الواقع الاجتماعي، بقدر ما تقوم بتأسيس وترسيخ الشخصيات كأرضية للفروقات بين الجنسين، والدعوة إليها. وفي المقابل تأتينا جمعيات تتهم بعضها البعض إما بالنسوية أو بالذكورية، متحججة بأن للمرأة قدرة أكثر على التحمل، كونها تستطيع الإنجاب، أو للرجل قدرة أكبر كونه خلق بعضلات أقوى. المعادلتان ساقطتان، لأن الطابع الجسدي البيولوجي ليس بالضرورة أن يعني انعكاساً في وظيفة الفرد في المجتمع، وخصوصاً في ظل نماذج ملموسة في الرياضة والعلوم وغيرها، تكسر هذه النظرة المثالية. إنما النمط الاجتماعي هو من خط حدود هذه الوظائف، لحد القدرة على التحمل في الإنجاب أو عدمه فقط. بينما الوضع البيولوجي لن يجعل أي فرد أكثر قدرة على التحمل، بل العامل الاجتماعي (نتيجة العامل الاقتصادي والسياسي) هو الذي قد يسمح للأفراد بتطوير قدرتهم الجسدية والنفسية على التحمل أو كبحها.
المساواة الفعلية
المساواة الفعلية لن تكون إلا بتساوي الأرضية بين الأفراد، التي تنتج تساوياً في فرص التطور والنمو والدور الاجتماعي، وهذا الموقف ضروري اليوم لمواجهة التفكيك المستخدم لخلق إتناقضات وهمية اجتماعياً لكبح توحد القوى المتضررة ضد البلاء الشامل المتمثل بالرأسمالية.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 819
عد إلى الأعلى