التكنولوجيا الذكية هستيريا الرأسمالية وتطور الإنسان

التكنولوجيا الذكية هستيريا الرأسمالية وتطور الإنسان

في مقالات سابقة أشير إلى الهستيريا التي تجتاح العالم الرأسمالي، خصوصاً في حقول السياسة والأكاديميا والإعلام، حول التطور السريع والمتوسع للآلات والنّظم «الذكية» الذي رفع من حدة تناقضات الرأسمالية، تلك الهستيريا التي يتم ضخّها في الوعي الاجتماعي لتعميم الخوف من التطور التكنولوجي الحالي.

أما وجهة النظر النقيضة تقدّم الرؤية ليس فقط لإزالة الخوف من التطور التكنولوجي، بل تفتح الأفق لكشف جوانب أخرى مما يقدمه التطور التكنولوجي الحالي والممكن مستقبلاً لتطور الإنسان بشكل أوسع، إضافة إلى رفع القدرات الإنتاجية المادية للبشرية.
التطور والارتقاء لم يتوقفا
يعتبر ماركس وأنجلز أن العمل هو ما شكل الأرضية المادية للظهور التاريخي للإنسان الواعي، المالك لقدرات ذهنية تعكس واقعه، وامكانية فعله في الواقع، انطلاقاً من أن الانسان عندما يغيّر في محيطه، فهو يقوم بتغيير نفسه كذلك، حسب قولهما.
وإذا كان تشكُّل الوعي في سياق التطور التاريخي النشوئي للبشرية هو نتاج ظهور عملية الإنتاج المادي للإنسان في علاقته بالطبيعة، واستخدامه الأدوات، فإن تطور الإنسان لاحقاً كان على مستوى وعيه وارتقائه في سياق تطور الإنتاج الاجتماعي تاريخياً، دون نفي التطور في البنية الجسدية.
الآلات كأدوات تغيّر نظام النشاط الإنساني
يعتبر العالم السوفييتي «فيغوتسكي» مؤسس علم النفس الثقافي التاريخي، على أساس الماركسية، إن نشاط الإنسان تتوسطه الأداة، التي تكون أساساً في تشكل العمليات الذهنية. ووعي الإنسان ككل. هذا الطرح الذي طوّره لاحقاً زميله وتلميذه «ليونتييف» وبلوره فيما سماه نظرية النشاط، ويعتبر ليونتييف أن النشاط الإنساني يتشكل من نظام مكوَّن من عدة عناصر، الإنسان المدفوع بحاجاته، والبيئة التي تحكمها العلاقات والقوانين التي تربط العناصر المادية ببعضها، والأشياء التي هي موضوع إرضاء الحاجة لدى الإنسان، وأيُّ تبدل في أحد عناصر هذا النظام يغير دينامية النظام ككل.
وبالتالي فإن دخول أداة العمل إلى النشاط الإنساني لا يغيّر فقط النتيجة الخارجية للفعل الإنساني، بل يغير كذلك انعكاس النشاط الناتج عنها في الوعي كعمليات ذهنية، وبالتالي فإن مع كل تطور للأداة سينعكس تطوراً في نشاط الإنسان ككل، ومنه نشاطه الذهني، وهكذا حصل منذ استخدام الحجارة والعصي، إلى الآلات الميكانيكية الحديثة.
الآلات الذكية وتقسيم العمل الاجتماعي
إن ظهور الآلات الذكية لا تعني فقط تطوراً كمياً في الآلة السابق العمل عليها، بل هي تطور نوعي في تقسيم العمل الاجتماعي عامة. كان تطور الآلات الميكانيكية مستبدلاً للعمل الجسدي للإنسان، ولكن النوع الجديد للآلة يقع في ميدان العمل الذهني. وهذا يعني أنّ نظام النشاط الإنساني تغير وسيتغيّر نوعياً مع هذا التطور في أداة العمل.
الآلات الذكية وظهور عمليات ذهنية جديدة
لا استبدال للذكاء الإنساني: يعتبر الباحث السوفياتي «أوليغ تيخيميروف»( المتوفي في العالم 2001) الذي هو تلميذ «ليونتيف»، أنّ الالة الذكية ستؤدي إلى تطور في الوعي الإنساني وتعيد تنظيمه، دون أن تستبدله، مواجهاً موقف الخوف المعمم من الآلة الذكية كونها ستستبدل الإنسان وتحل مكانه في ميدان العمل الذهني.
يعتبر تيخيميروف أن انتقالاً نسبياً لعمليات تفكير محددة من الإنسان إلى الآلة هو ما سيحصل، ولكن في المقابل فإن توسعاً وتعقداً وارتقاءً في عمليات التفكير الإنساني يكون قد حصل. وبشكل أساسي إن «خروج» عمليات محددة من وعي الإنسان إلى الآلة سيجعل الإنسان قابضاً عليها ومتعاملاً معها كمواضيع مجردة لنشاطه. إضافة إلى تبلور مستويات جديدة من التفكير في الوعي أكثر تجريداً من العمل على مواضيع ملموسة في ميدان العمل الجسدي ومواضيع العمل الذهني الأٌقل تجريداً.
العرض السريع والمكثف لطرح تيخيميروف، وهو بالمناسبة حاضر وبقوة في ميدان البحوث الأكاديمية حول العالم، يقدم جانباً أعمق لدور التطور التكنولوجي في تطور الإنسان والمجتمع.
تطور وصيرورة دائمان
إن دخول الآلة الذكية إلى ميدان الإنتاج والنشاط الإنساني عامة، يشكل نقلة جديدة في التطور التاريخي، وهو ما كان ماركس قد أشار إليه حول تحول دور الإنسان في مجتمع يستخدم الآلات المتطورة، كالتي نشهدها اليوم، ولكن هنا تقوم الرأسمالية كما في حقول المجتمع كافةً بقمع ولادة الإنسان الجديد، وإعدام الحياة عامة، وما يبعث على الاشمئزاز أكثر، هو مشهد من لا زال يعزف سمفونية «التقدم والحرية والفكر» في زمن الرأسمالية الرديء.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 817
عد إلى الأعلى