السيطرة على العلوم

السيطرة على العلوم

ننطلق من أن مستويات الحياة جميعها، علمية، نفسية، سياسية، اجتماعية، أم يومية، جميعها كرست بفعل النظام السياسي القائم في لحظة تاريخية معينة.

ولكون الإنسان على علاقة مباشرة، دائمة وديناميكية مع محيطه، فمستويات الحياة جميعها تتطور حسب تطور هذا المحيط في المنطقة والعالم. فإن التطور العلمي في أي بلد كُرس بموقعه في الخارطة السياسية العالمية، وفي اللحظة التاريخية التي حكمت تطور العلوم. وهنا نجد الفرق بين تطور العلوم في حقبة صعود الاتحاد السوفيتي، حيث انتشر التعليم والعلوم على أوسع نطاق، وبين الحقبة التي تلت، وهي تثبيت الإمبريالية كقطب واحد في العالم، والتي حدت من تطور وانتشار العلوم إلا من منطق النفوذ الرأسمالي. فعبر السنين الماضية احتكرت القوى الرأسمالية العلوم بطرق عدة.
في التعريف
بعكس قولنا الشهير: «الحاجة ام الاختراع»، تُعرّف العلوم حسب المنطق السائد، أسوة بميادين الحياة كافة، على كونها عنصر منفصل عن المجتمع وتطوره. حتى عندما تنسب نسبة تطور بلد ما إلى العلوم فيه، تقاس عبر عزل طبيعة وبنية هذه البلدان عن بلداننا. فدولاً مثل: الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوروبية متطورة ببنيتها الرأسمالية، ينظر للازمات فيها نتيجة خطأ في التنفيذ وليس تناقض في بنية النظام. وكونها سيطرت في الحقبة الأخيرة، هذا كله ساهم في بناء تعاريف ومفاهيم الحياة السائدة. مثل: تعريف العلوم، ومن يمتلكها، ولخدمة من؟ فالعلوم حسب هذه النظرة اللاتاريخية، هي العنصر” فوق الطبيعي”، الذي يحتاج الى اشخاص “فوق العادة” لفهمه والقيام به. وهذا واضح في بعض التقارير، علمية أو إّعلامية، ومعظم الانتاجات الهوليودية. ولكن في الواقع من يمتلكها هو من يسيطر على العالم، فلقد كرست هذه القوى نفسها الوصي الشرعي على العلوم، كمصدره ومصّدّره، وليس بخدمة الغالبية العظمى من الشعب.
المراكز البحثية، الدراسية، والاكتشافات
كرست المراكز البحثية والدراسية والاكتشافات مبدأ المنافسة، والمحاصصة في التعاطي مع العلوم. فعدا عن احتكار العلوم من قبل هذا المركز الإمبريالي طوال السنوات السابقة، من حيث القدرة على الحصول عليها، إما معلوماتياً، مخبرياً، أو لوجستياً، فهو كمحتكر وظّف العلوم لخدمة الشركات الربحية ورأس المال، وأكثرها تعبيراً هي: شركات الادوية. فمثلاً: فيروس نقص المناعة (AIDS/HIV)، حيث تعمل الشركات على احتكار الأدوية التي توصف للمرض، أو حتى يتم التلاعب بتركيبة الأدوية وسعرها، ويُتغاضى عن تركيبات أخرى قد تساهم في التخفيف أو الحد من المرض.
المجلات والإصدارات العلمية
مع وجود هذه الإصدارات على شبكة الإنترنيت، إلا أنها محتكرة بطريقتين. الأولى: بإن الوصول لها فقط عبر دفع مبلغ من المال عن كل إصدار، من دون أن ننسى أنه حتى استخدام الإنترنت ليس مجاناً ولا ممكناً للجميع. وثانياً: يتم تقّييم النشر حسب عدد الإصدارات في المجلات العلمية الأكثر إصداراً في العالم، والتي هي بدورها محتكرة حسب العامل الأول. ومعظم هذه المجلات هي في المراكز الإمبريالية، حيث يتم اما الموافقة أو رفض العمل المقدم للإصدار بحسب المضمون (الأيديولوجي)، بما يتناقض مع فكرة موضوعية العلم كشعار ترفعه “الأطراف العلمية” السائدة.
بحسب ما تقدم، فكّ احتكار وتبعية العلوم هو المخرج لتحريره، شيوعه، والوصول إليه. خاصة أن المنطق والتعريف السائد للعلوم بات يصطدم بعدة عراقيل تحول دون تقدمه بنقلات نوعية. وهذا المخرج بدأ يظهر في مناطق عدة أو دول في العالم، الصين وروسيا وكوبا مثالاً. التي استنتجت انه فقط بفك احتكار العلوم يمكن الوصول إلى توظيفه كمحرك لتطور البشرية. وهذا ما نجده اليوم في الاستثمار المرتفع في الأبحاث العلمية في هذه الدول.

موسومة تحت

العلم,
عد إلى الأعلى