الأزمة ترسم مستقبل العلم «الرسمي»

الأزمة ترسم مستقبل العلم «الرسمي»

على قاعدة الارتباط الجدلي بين العلوم كقوة منتجة وبين النظام الاجتماعي، رفع التطور الحالي للعلوم والتكنولوجيا من حدة تناقضات الرأسمالية بكونها أصبحت عائقاً امام ظهور علاقات اجتماعية جديدة تقوم على الاكتفاء والوفرة والعدالة، والتطور المادي والمعنوي للجميع.

 

بالمقابل، فإن تناقضات النظام نفسها تفرض تحولات على مستوى العلوم، أعمق من المستوى التقني، لتطال البنية الأيديولوجية للعلوم السائدة وتفرعاتها. 

مصير العلم «الرسمي»

أنتجت المرحلة الليبرالية واقتصاد الامبريالية فروعاً «علمية» قامت على أساسها جامعات بأكملها، وانخرطت فيها أعداد ضخمة من الطلاب في العالم، وخصوصاً في العلوم الاجتماعية.

الأساس الأيديولوجي لهذه الفروع أو المجالات، يقوم على فكر التفكيك والتجريب بشكل عام، كالدراسات الثقافية، التربوية والتعليمية، الهويات، التنمية البشرية والسلام، التسويق، دراسات الشخصية والنجاح، حل النزاعات وغيرها، والتي يمكن أن نرى تكثيفها في عمل «الجمعيات غير الحكومية- NGO».

انتعشت هذه الأبحاث على أساس أن الرأسمالية خط وحيد للتطور البشري، ومن وحي حاجات النظام الرأسمالي نفسه، الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية.

ولكن الأزمة الرأسمالية الحادة قطعت بشكل حاد السياق «الهادىء» للمجتمع الليبرالي، وفرضت واقعاً جديداً، إما من خلال انهيار فروع اقتصادية بأكملها وعجزها عن النمو اللاحق، وإما من خلال الانهيار الاجتماعي الشامل الذي تقف هذه الفروع العلمية حياله موقف العاجز او المتفرج. خصوصاً أن هذه الفروع كانت في جانب أساس منها تخدم وظيفة التضليل الأيديولوجي، وتشويه صورة الواقع. فالطروحات «ما بعد الحداثية» تقف اليوم وكأنها خارج التاريخ إزاء ضرورات إنقاذ البشرية والطبيعة من الويلات التي أنتجتها الرأسمالية.

هذا التناقض الذي يقع فيه العلم السائد «الرسمي» - والنابع من طبيعة العلوم كبحث موضوعي عن الحقيقة- ما بين أرضيته البورجوازية وبين حاجات الواقع، يضع العلم السائد أمام أزمة استمراريته كما النظام العالمي الإمبريالي نفسه. 

«إما تغيير جذري أو رجعية على المكشوف» (كارل ماركس)

يمكن ملاحظة هذه الأزمة في ميل الدراسات السائدة، إما إلى موقف الصمت في الغالب عما يحصل في العالم اليوم من ظواهر «لا إنسانية»، وكأنها من عالم آخر، حيث لا يزال بالنسبة لها استمرار العالم كما كان عليه «شكلا»، قبل الأزمة، ومازال البحث مثلا في سبل التنمية ودعم الزراعة والصحة والإنتاج الفردي في دول الأطراف كحل اقتصادي للفقر، وتطوير التعليم عبر بحث أسباب عدم الانخراط المدرسي للطلاب، وحل النزاعات بين الشعوب من خلال التبادل الثقافي أو رفع «الوعي التربوي» في المناهج.

وإما تحولها إلى منصات «دَعَوِيّة» إرشادية، وطروحات مثالية صريحة مغالية في «الخيال»، وصيرورتها «علماً خيالياً»، وهي في الغالب تقف موقف المبرر للحروب التي أشعلتها الإمبريالية، أو هي لا تنطق بالرفض لهذه السياسيات التدميرية.

ان انفجار الجوهر الفاشي اليوم للإمبريالية، وتبعاته الاجتماعية جعل من مهمة الكشف عن الظواهر الاجتماعية اقرب الى اتخاذ الموقف المباشر-السياسي، وألغى نسبياً الهامش «الأكاديمي-الحيادي» الذي طالما رفعه العلم «الرسمي» كشعار له في المرحلة الماضية. وهو في غالبه اليوم في صمته أو تبريره أو تجاهله في موقع الرجعية.

الأزمة الرأسمالية لا تفرض فقط انهياراً لطروحات «العلم الرسمي» وانهياراً لأغلب فروعه الدراسية الرائجة في المرحلة السابقة، بل ستخلق الأرضية لانتعاش تيار علمي يستكمل الانقطاع النسبي منذ التراجع الثوري في العالم، تيار يضع العلم في خدمة البشرية جمعاء، ويربط ما بين  فروع العلوم المختلفة لا تذريرها أكثر، تيار مواجه للرأسمالية بشكل صريح ويطرح حل المهمات الملحة أمام البشرية في تطورها التاريخي المادي والمعنوي.             

موسومة تحت

العلم,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 809
عد إلى الأعلى