الكرد.. وسباق المسافات الطويلة!

الكرد.. وسباق المسافات الطويلة!

إن توق شعوب المنطقة جميعاً، إلى الخلاص من الديكتاتوريات والتبعية، والنهب، والحروب، والارهاب، والنزوح الجماعي، والقلق الوجودي الذي تمر به تشكل اليوم الأرضية الموضوعية، لوحدة نضال هذه الشعوب، مضافاً الى المشتركات التي فرضها التطور التاريخي خلال الألف سنة الأخيرة على الأقل.

بغض النظر عن الموقف من الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان، وتبعاته، فإن الخطاب المضاد، خطاب الشماتة والتشفي، من طرف بعض النخب العراقية، وبعض القوى الإقليمية، مردود على أصحابه، وما حدث يؤكد بأن الكل مأزوم، وأن الكل خاسر، فالاستفتاء الخطأ، كان في جانب منه رد فعل على سياسات هؤلاء الشامتين، الذين كانوا طرفاً في دفع الشعب العراقي عرباً وكرداً من مأزق إلى مازق، ومن انتكاسة إلى أخرى.....

إن واجب القوى الديمقراطية والوطنية في القوميات العربية، والإيرانية والتركية، رفع الصوت ضد محاولات استغلال الاستفتاء، ونتائجه، في توتير الأوضاع، وتعميق الفوالق، فثمة حقيقة تاريخية وجغرافية وسياسية ثابتة، قبل وبعد الاستفتاء، وهي: أن الشعب الكردي واحد من شعوب المنطقة ويعيش على أرضه التاريخية، ومن الواجب الاعتراف بوجوده، ورفض أشكال الانتقاص من حقوقه كلها، فخطر هذا الخطاب التعميمي، الاتهامي، لا يقل خطراً عن الاستفتاء نفسه، في إشاعة التوتر الإقليمي، وربما يكون استكمالاً له، كونه يساهم بدفع الكرد دفعاً إلى المزيد من المواقف الانعزالية، ويهدد وحدة بلدان المنطقة أكثر فأكثر.

أما كردياً، فإن الرد الواقعي الوحيد، على «الانتكاسة»، لا يكون من خلال النواح، وإشاعة أجواء الإحباط، وتحويل هذا الانكسار إلى صراع بيني، أو توظيف حالة الاحتقان المزمن، بالاتجاهات الخاطئة، بل يكمن قبل كل شيء في إجراء مراجعة تاريخية، بالانطلاق من خصائص القضية القومية الكردية، والتعاطي معها وفق شروطها الخاصة، التي يجري تجاهلها على الدوام في مقاربات الخطاب القومي الكردي، وأهم هذه الشروط هي: أن القضية الكردية هي قضية إقليمية موضوعياً، ولا يمكن حلها في المرحلة التاريخية الراهنة بالطريقة الكلاسيكية، استناداً إلى مبدأ «حق تقرير المصير» والانفصال، على الأقل، لأن القوى الإقليمية، وكما تؤكد التجربة الكردية لمرات ومرات، تتوحد في هذه الحالة، ولأن هذه القوى لا تستطيع حل أية قضية حلاً حقيقياً بسبب بنيتها، فكل سياساتها لا تتجاوز عتبة إدارة الأزمات، وما ينبغي إدراكه أيضاً: أن المسألة ليست مجرد موقف من الأكراد كما يفسر الخطاب القومي الشعبوي، بدلالة أن هذه الأنظمة لم تحل أية مسألة وطنية بالمعنى الإستراتيجي، وكما يجب. 

وإذا كان إدراك هذه الخصوصية هو الشرط الأول لأية مراجعة صحيحة، فإنها بالضرورة تتطلب الكف عن أية مراهنة على الدور الأمريكي، للرد على الموقف الإقليمي، لماذا؟  

أولاً: ليست من طبيعة الولايات المتحدة حل الأزمات، وجل ما تفعله هو الاستثمار في حالة التوتر، والعمل على إنهاك الكل، باعتبار أن هذه الظروف هي البيئة الأنسب لتمرير مشاريعها، والإمساك بخيوط التوتر كلها، والاستفراد بها، وضمن هذا السياق أيضاً يجب النظر إلى ما يسمى الوساطة الأمريكية، بين بغداد وحكومة الإقليم على الأقل استناداً إلى التجربة السابقة معها، ونعتقد بأنه من السذاجة، الظن يوماً بأن عنتريات الحكومة المركزية، هي بدون ضوء أخضر أمريكي. 

ثانياً: تتغير موازين القوى، في حالة توحد القوى الإقليمية، ومن السذاجة بمكان التوهم، أن الولايات المتحدة، ستواجه الجميع، كرمى لعيون أحد، لاسيما في ظل تراجع الدور الأمريكي على المستوى الدولي مؤخراً، وعجز الولايات المتحدة، عن الاستفراد بالقرار العالمي، ولأن الأمر كذلك، فإن أي دور أمريكي يصبح عبئاً على الإقليم، والقضية الكردية عموماً، والتجربة تقول: إن الولايات المتحدة لم تفعل شيئاً جدياً حقيقياً في دعم الكرد عبر التاريخ، إلا بما يؤدي إلى تضخيم الأنا القومية الكردية، وبما يؤدي إلى توتير الوضع الإقليمي، ودفعه من مأزق إلى آخر، لاسيما وأن طرفي الخلاف الراهن أي: الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، من «الحلفاء» للولايات المتحدة.

إنّ حالة الإنكار التي يغرق فيها بعض الإمعات من القوميين الكرد، ورغم ما حدث كله، وتجاهل «التوريط = الغدر» الغربي، والأمريكي خصوصاً، وعدم الاعتراف بفشل الرهان على هذا الحصان الأعرج في سباق المسافات الطويلة، والإصرار على التأمل خيراً من أي تصريح خلّبي من طرف هذا اللوبي، والتسويق له، يكشف عن عدم إدراك ليس لطبيعة الدور الامريكي فقط، بل عدم إدراك خصائص القضية الكردية نفسها!

إن المخرج الحقيقي من المأزق التاريخي الذي تمر به شعوب ودول المنطقة كلها، يتطلب التفكير خارج إحداثيات التجاذب القومي، أو الطائفي، أو الديني، وخارج أوهام الحلول المنفردة، وأيضاً خارج أوهام حل الأزمات التي تعصف في بلدان المنطقة دون حل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً عادلاً، بل يجب الانطلاق من فكرة وحدة المصير والاعتراف المتبادل بالحقوق، الذي يفرضه الواقع الموضوعي خارج إرادة النخب، النخب كلها بلا استثناء، وليس من الصحيح ما يشاع بعدم إمكانية تحقيق ذلك، فوحدة المصير وفق صيغة الاعتراف المتبادل بالحقوق، تستند إلى خصائص التاريخ، والجغرافيا، والمصالح المباشرة لهذه الشعوب، حيث الجميع بحاجة إلى الجميع، والجميع بحاجة الاستقرار، والتغيير الجذري والشامل، والانفكاك من التبعية للمركز الغربي، و التنمية، وإشاعة الديمقراطية، والمهمة الملحة هي: العمل على بلورة حوامل هذه الضرورة الموضوعية، التي تتقاطع مع مزاج وتجربة ومصالح فئات شعبية واسعة بين جميع القوميات والأديان والمذاهب... فمن سيحمل شرف الريادة للتعبير عن هذه الطاقة الجبارة الكامنة لدى شعوب المنطقة؟

إن توق شعوب المنطقة جميعاً، إلى الخلاص من الديكتاتوريات والتبعية، والنهب، والحروب، والنزوح الجماعي، والقلق الوجودي الذي تمر به تشكل اليوم الأرضية الموضوعية، لوحدة نضال هذه الشعوب، مضافاً إلى المشتركات التي فرضها التطور التاريخي خلال الألف سنة الأخيرة على الأقل.

لاسيما، وأن التحولات العميقة الجارية على النطاق العالمي، تفتح الباب واسعاً لهذا الخيار، حيث يتطابق توازن القوى الدولي، مع حقائق الواقع الموضوعي في بلدان الشرق باتجاه تكاملها، واندماجها الطوعي، رغم المشهد القاتم كله الظاهر على السطح، فالقوى الدولية الصاعدة واستراتيجياتها، تتناقض شكلاً ومضموناً مع مصادرة إرادة الشعوب، سواء كان من قبل الأنظمة، او من قبل قوى الحرب الدولية، التي تعتبر السبب الرئيس والعميق للتوتر في بلدان المنطقة.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 836
عد إلى الأعلى