نقد الخطاب القومي

نقد الخطاب القومي

إلى أين يتجه شرق المتوسط؟! سؤال بات يفرض نفسه، ليس على الساسة فحسب، بل حتى على المواطن العادي، الذي يعيش في مرحلة تفجرت فيها التناقضات كلها دفعة واحدة، بعد أن بات هذا المواطن مشروع ضحية: قتلاً أو نزوحاً أو قلقاً وانتظاراً وقهراً مزمناً إلى أن «يفرجها» رب العباد!

اتفاق واختلاف
ما بات متفقاً عليه في هذا السياق، هو: أن هذا المخاض العسير يشي ببداية مرحلة تاريخية جديدة، تشمل كل شيء: نموذج الدولة الوطنية بكل بنيتها السياسية والاقتصادية، بما فيها أنظمة الحكم، والمعارضات، والنموذج الاقتصادي السائد، وربما الخرائط أيضاً.. حيث يقرالجميع: أن البنى السابقة استنفذت دورها التاريخي، ليبدأ الخلاف – الصراع حول اتجاهات التطور اللاحق..؟

صراع مركب
تتمظهر القضايا المختلف عليها بأشكال مختلفة، وبمسارات متعددة، بعضها تاريخي، وبعضها راهن، يتجاور فيها الداخلي مع الخارجي، ويتشابك معه، بعضها موضوعي، وبعضها مفتعل ومصنع، ولكن جميعها يجري تهويلها والنفخ فيها، ودفعها خارج سياقها المنطقي، بحيث ألّا يتم حلها حلاً حقيقياً، ضمن شرطها التاريخي- الموضوعي، فبرامج أغلب النخب السياسية في بلدان شرق المتوسط، تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، وتغيير شكلها دون المس بمحتواها، ودون معالجة مقدماتها وأسبابها المتعددة وعلاقتها ببعضها البعض.
آخر ما تم تأجيجه من القضايا المختلف عليها في بلدان المنطقة، هو الملف الكردي، بعد إجراء إقليم كردستان العراق استفتاء حول الاستقلال.

مبررات غير مقنعة
تبرر قيادة إقليم كردستان إصرارها على الاستفتاء، والانفصال، بأنه ليس بالإمكان التعايش مع الحكومة المركزية، ونعتقد بأن هذا التبرير ليس مقنعاً، وذلك لأسباب عدة:
أولاً: الحكومة العراقية لا تمثل العراق كوطن وشعب ولا مصالحه، وبالتالي فإن العلاقة مع النظام الحاكم شيء، ومع الوطن العراقي شيء آخر، فالأولى: أي: الحكومة معطى عابر ومؤقت، تم إنتاجها بصيغة محددة، وهي امتداد لتلك السلطة التي تم تشكيلها، بموجب قرار من دولة الاحتلال، وجاء أوان تغييرها وتغيير النموذج كله الذي أنتجها «نظام المحاصصة» بعد أن فشلت في قيادة العراق، في حين أن الوطن العراقي معطى تاريخي، جغرافي وسياسي وقانوني، وما يعزز من أهمية هذه المسألة هو: أن القضية الكردية في العراق، ومنذ عشرات السنين، تستحوذ على تفهم شعبي لدى مكونات الشعب العراقي المختلفة، والدساتير العراقية المتعاقبة تقرّ، أن الشعب العراقي يتألف من قوميتين، عربية وكردية وأقليات قومية، فوجود حكومة لا تتفهم حقوق الشعب الكردي، لا يعني أن الوضع غير قابل للتغيير، طالما أن الشعب العراقي بأغلبيته الساحقة يتفهم وجود قضية قومية كردية.  
ثانياً: إن هذا المركز الذي لا «يمكن التعايش معه»، ساهمت قيادة الإقليم في صناعته، وصياغته وبلورته، في إطار نظام المحاصصة الذي تشكل في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، وليس سراً أن الكتلة الكردية في البرلمان العراقي، كانت بيضة القبان في تشكيل هذه الحكومة، واختيار عدد من رؤوساء الوزارت المتعاقبة، وإذا كان الاستفتاء رد فعل على سلوك الحكومة، فإنه من الأجدى السعي لتغيير هذه الحكومة، لاسيما وأن قوى شعبية واسعة في العراق باتت تطالب بتغيير جذري للواقع العراقي ككل.

رد الفعل الخاطىء
تباينت ردود الأفعال على إصرار قيادة الإقليم على إجراء الاستفتاء، الذي اقترن مؤخراً بالحديث المباشر عن «الاستقلال» بينما كان خلال الأشهر السابقة يتم التأكيد بأن إجراء الاستفتاء لا يعني الانفصال. أكثر ردود الأفعال حدة كانت من الجوار الإقليمي، وخصوصاً تركيا، حيث استيقظت الغيرة القومية التركية لدى تيار الإسلام السياسي المتمثل بالسلطة التركية، تحت مسمى مصالح الأمن القومي التركي، وترافق الأمر مع نشاطات عسكرية تركية إيرانية، وزيارات متبادلة وتنسيق مشترك بين الدولتين، رغم الخلافات الإستراتيجية العميقة بينهما، وتأججت البروباغندا القومية المتبادلة، ليتصاعد الحديث بتكرار الأسطوانة المشروخة التي تسمي المشروع القومي الكردي بـ «إسرائيل ثانية» من قبل بعض «جهابذة» الفكر القومي التقليدي، في العراق وتركيا وإيران وسورية، في موقف يكشف عن جهل وتسطيح يصل إلى حد الابتذال في تناول قضايا شعوب المنطقة، وعلاقاتها التاريخية مع بعضها البعض، ومشتركاتها.

التخادم بين الطرفين
الخطاب القومي الكردي، والخطاب القومي المضاد، الذي يواكب الاستفتاء ومخرجاته، خطاب ذرائعي، عاطفي انفعالي، توصيفي، يعرض المشكلات، دون أن يقدم الحلول، أو خطاباً مجتزأ يتعاطى مع الحدث من زاوية ضيقة، ومن جانب واحد، ففي حين يستند القوميون الأكراد إلى ثقافة التظلم: « الشعب الوحيد الذي لم يشكل دولة» وأنه من حق الأكراد الاستفادة من الوضع الناشىء، تأتي محاججات القوميين الآخرين، وكأن مشكلات المنطقة كلها بدأت مع الاستفتاء الكردي، وأنه لولا هذا الاستفتاء لكانت المنطقة في نعيم!
تتباكى بعض النخب القومية في هذه البلدان على وحدة بلدانها من جراء الاستفتاء، في الوقت الذي أدت سياساتها هي وبالدرجة الأولى إلى تهديد وحدة هذه البلدان، ويتباكى القوميون الكرد على حقهم المهدور في إنشاء الدولة، وعدم القدرة على التعايش، مع العلم بأن الـ «شبه الدولة» المشكلة منذ 1990 شهدت لمرتين حرباً بينية، راح ضحيتها الألوف، أي: أن عدم القدرة على التعايش لم يكن شأناً قومياً بين قومية وأخرى، بل إنه داخل القومية الواحدة كانت ثمة صراع، فهل سنشهد بعد حين عدم إمكانية التعايش بين أربيل والسليمانية مثلاً، أو بين الأنبار والبصرة؟
إن تشبيه القضية القومية الكردية «بإسرائيل» ثانية يرتقي في سذاجته إلى مستوى الغباء السياسي، واللافت بأن الخطاب القومي من الطرفين سَوّق هذا المفهوم، كلاً لغايته وبطريقته ففي حين يروج له القوميون العرب والأتراك والإيرانيون للانتقاص من الحق القومي الكردي، والتأليب ضده شعبياً، يرى بعض القوميين الأكراد بأنه لا ضير من العلاقات مع الكيان الصهيوني، وحتى رفع العلم الصهيوني في تجمعات التأييد للاستفتاء، طالما أن العديد من دول المنطقة لهم علاقات علنية أو سرية مع «اسرائيل»!
يتجاهل القوميون العرب بأن العدو الصهيوني، هو أول المستفيدين من تشبيه القضية الكردية «بإسرائيل»، وأنها بهذا التشبيه ومن حيث تدري أو لا تدري تعتبر «اسرائيل» كياناً طبيعياً ذات حق مشروع في الوجود، فهي على الدوام تبحث عما يشبهها لتشرعن وجودها، مع العلم أنه لا يوجد أي تشابه بين القضية الكرديةً و«إسرائيل» بالمعنى الموضوعي، فالشعب الكردي من الشعوب الأصيلة في المنطقة، ويعيش على أرضه التاريخية، وبالتجاور مع الشعوب الأخرى، أما الكيان الصهيوني فكيان مصطنع، له دور وظيفي محدد، من قبل المركز الرأسمالي الغربي الذي أنشأه، ورعاه، وحماه على مدى قرن من الزمن.       
أما بعض النخب الكردية التي «تضحك بعبها» من هذا التوصيف تتناسى أنها تتقاطع في ذلك مع عتاة الشوفينيين في القوميات الأخرى، بنبذ الحق الكردي، وأنها تحرج القوى الديمقراطية والشعبية الواسعة العربية والتركية والإيرانية المتفهمة للحق القومي الكردي، وأنها تشرعن تحويل القضية الكردية، إلى بعبع كما يسعى أعداء الكرد من كل شاكلة ولون.
بقي أن نقول: إن كل إنكار للحقوق القومية الكردية، من قبل نخب وسياسيي القوميات الأخرى، إنما يساعد الانعزاليين في الوسط الكردي، وكل خطاب انعزالي بأفق ضيق من بعض النخب الكردية إنما، يمد أولئك الشوفينيين بمبررات الوجود، والاستمرار.

في جذر المشكلة
تعود جذور الأزمات التي تعصف ببلدان المنطقة جميعها، سواء أخذت الشكل الطائفي أو القومي، أو أي شكل آخر، في آخر تحليل إلى نموذج النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي السائد، أي: نموذج الرأسمالية الطرفية التابعة، حيث تبين بالملموس أنه نظام منتج للأزمات، وإذا كانت هذه الأزمات على مدى سنوات في حالة سكون نسبي، إلا أنها في ظروف الاضطراب العالمي الراهن الناشىء لم تبق كذلك، ولكن في الوقت نفسه تنفتح الآفاق لحلها حلاً جذرياً، بما يؤمن المصالح المتبادلة للجميع، وذلك من خلال نموذج الثورة الوطنية الديمقراطية المعاصرة، التي تتحدد مهامها بالعنوان الأساسي التالي: القطع مع نظام التبعية الاقتصادية للمركز الرأسمالي الغربي، حيث باتت الإمكانية متوفرة في ظل التوازن الدولي الجديد، بما يعنيه ذلك إيقاف النهب المزدوج الذي تتعرض له شعوب المنطقة من ذلك المركز ونخبها المحلية، وما أنتجها هذا الثنائي من استبداد معولم، أو استبداد محلي، الذي يعني من جملة ما يعني حل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً عادلاً، على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 831
عد إلى الأعلى