تقدمات سياسية أم عسكرية؟

تقدمات سياسية أم عسكرية؟

مع التقدم الجاري على الأرض السورية ضد التنظيمات المصنفة دولياً كإرهابية، تعود بعض الأوساط لمحاولاتها القديمة الجديدة الرامية إلى بث الروح عبثاً في مقولة الحسم العسكري على حساب الحل السياسي في البلاد، آملة في ذلك بأن «تعيد سورية إلى ما كانت عليه قبل 2011».



ليس المراد من هذا الحديث الآن الخوض في مناكفاتٍ شهدتها البلاد طويلاً منذ انفجار الأزمة، لكن ما يجب الوقوف عنده هو: أن من يتحدث اليوم عن انتهاء عوامل الأزمة السورية كلها، بمجرد أن عاد الهدوء إلى مناطق متعددة، يبني خطابه على أساس التقدم الميداني الذي جرى بوتيرة متصاعدة منذ عامين، وكأن لهذا التقدم وجهاً واحداً هو الوجه العسكري، بينما يتغافل مثل هذا الطرح عن حقيقة أنه حتى التقدمات العسكرية التي جرت في الأراضي السورية هي عوامل سياسية بالدرجة الأولى، مرتبطة بطبيعة التغير الجاري في ميزان القوى الدولي، والذي عبر عنه بدخول القوات الروسية إلى سورية في عام 2015، ومنع انهيار جهاز الدولة السوري الذي كان قاب قوسين أو أدنى من خطرٍ جدي محدق به.
هنا يبدو واضحاً للعيان الفرق الشاسع بين ما يقوله حلفاء الشعب السوري، الذين رفضوا انهيار جهاز دولته، والذين يعلنون ليلاً نهاراً أن موقفهم من الأزمة السورية يتمثل بحصرية الشعب السوري في تحديد مصيره ودستوره ورئيسه. وبين ما يحاول أصحاب الرؤوس الحامية في النظام أن يروجوه حول أن الأمور قد «انتهت»، وسيكون لزاماً على الجميع أن يعترف بأن أحد أطراف هذه الحرب، التي حملت تشريداً وعذابات وكوارث إنسانية على الشعب السوري، قد خرج منتصراً منها.
قد يبدو مفهوماً هذا الحال، بالنظر إلى أن من يريد أن يروج لمثل هذا الانطباع، يحاول أن «يهرب» من الاستحقاق السياسي الذي لم يعد محل نقاشٍ على الأصعدة كافة. هؤلاء تحديداً يرعبهم القرار الدولي 2254، ويرعبهم أكثر اتفاق القوى الفاعلة في سورية على أن لا حلَّ عسكرياً يمكنه إنهاء الأزمة السورية. فهؤلاء اعتاشوا من الأزمة، وانقطاع حبلها لغير لمصلحتهم يعني انقطاع عقد النهب الذي «يسنون أسنانهم» على استكماله وزيادته.
السؤال الذي لا بد من طرحه هنا: هل ما يجري اليوم في حلب وحمص ودرعا وإدلب.. إلخ من تعميمٍ لمناطق وقف التصعيد، والتي جرى الاتفاق عليها في إطار عملية آستانا، هي «تقدمات عسكرية» أم «تقدمات سياسية»؟ ولمصلحة من يجري وضع المسارين بخلاف بعضهما البعض؟
لقد أثبتت نتائج المعارك التي جرت مؤخراً في البلاد الأهمية القصوى والأساسية لعملية التزامن والتلازم بين المسارين العسكري والسياسي، إذ أن هزيمة «داعش» و«النصرة» ومن في حكمهما، قد جرت بشكلٍ مركب عسكري وسياسي معاً، ما أدى عملياً إلى انسحاب أعداد كبيرة من المقاتلين من جبهات القتال. وهنا يبدو أن العامل العسكري الذي لجأت إليه روسيا مثالاً كان دائماً ولا يزال في خدمة السياسي الذي لا يمكن إيقافه إلا في عقول الواهمين.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 829
عد إلى الأعلى