بين القديم والجديد

بين القديم والجديد

من أبرز خصائص وسمات الأزمات الكبرى في التاريخ، كالتي نمر بها الآن، أنها تكون بداية مرحلة جديدة في تطور المجتمع البشري، تشل دور كل قوى العطالة التي تقف عائقاً أمام ضرورات الواقع الموضوعي، وتفتح الطريق أمام قوى جديدة، بمعنى أوضح، تكون بداية موت الفضاء السياسي القديم، وولادة فضاء سياسي جديد على أنقاضه.

ولم يعد الحديث عن هذه العملية في عالم اليوم، مجرد تنبؤ سياسي، أو رأياً لهذه الجهة السياسية أو تلك، بل بات أمراً مسلماً به يتجلى على المستوى الدولي، وداخل كل بلد حسب خصائصه، وظروفه ومستوى تطوره.
إن تعمق الانقسام داخل الإدارة الأمريكية، و تفاقم الخلافات بينها وبين حلفائها التقليديين، وتراجع دور هذه المنظومة في التحكم والسيطرة، وتقدم دور القوى الصاعدة «روسيا – الصين»، كلها وقائع تؤكد صحة هذه الحقيقة وتبلورها على المستوى الدولي، وتؤكد في الوقت نفسه على أن تأثير هذه العملية سيشمل جميع البلدان بلا استثناء، ومنها سورية، انطلاقاً من حجم التشابك، ومستوى الاشتباك في العلاقات الدولية من جهة، وبسبب درجة التدويل التي وصلت إليها الأزمة السورية من جهة أخرى.
يعتبر تقدم خيار الحل السياسي، والتوافق على كونه الخيار الوحيد لحل الأزمة السورية أحد تجليات ميزان القوى الدولي الجديد، والفضاء السياسي الذي يحمله معه هذا الميزان، وبالتالي  من الطبيعي أن تكون سورية أولى البلدان التي ستشهد تكون وتبلور فضاءها السياسي الجديد، بعد أن استنفذ القديم نفسه، سواء بسبب كونه من وضع بسياساته مقدمات الأزمة، أو بسبب طريقته في إدارة الأزمة خلال سنواتها الست.
إن الفضاء السياسي الجديد الذي يتشكل في البلاد، يتجاوز كل التصنيفات والتقسيمات المشوهة الظاهرة، فهو لا يعني النظام لوحده، ولا المعارضة لوحدها، بل يعني اصطفافاً حقيقياً جديداً، قائم على أساس الموقف من التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والشامل، الذي يعتبر الحل السياسي على أساس القرار 2254 إحدى ضروراته التي لا غنى عنها، ومن هنا فإن الدور اللاحق لأية قوة سياسية في سورية بما فيها استمرار وجودها الفعلي من عدمه في الخريطة السياسية السورية يمر عبر موقفها الفعلي من الحل السياسي، بغض النظر عن اصطفافها المعلن الراهن، بما فيها قوى تحسب نفسها على المعارضة، كونها تنتمي برنامجاً وممارسة وسلوكاً إلى الفضاء السياسي القديم، و تحاول يائسة أن تلعب دور المعرقل أمام استحقاق موضوعي لا راد له، وتسعى إلى التشويش على الحل السياسي وقواه الجدية والفاعلة، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحدود بين القديم والجديد لا تتحدد بالعمر الزمني لهذه القوة أو تلك، بل بمدى توافق مواقفها العملية وسياساتها مع الاستحقاقات التاريخية التي تفرض نفسها على جدول الأعمال.. الجديد يولد رغم آلام مرحلة المخاض كلها، والجميع أمام امتحان تاريخي، إما الدخول إلى التاريخ أو الخروج منه.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 822
عد إلى الأعلى