مرحلة انعطافية ووعي جديد

مرحلة انعطافية ووعي جديد

لا شك أن كل المتتبعين والمهتمين بالوضع السياسي، الدولي والإقليمي والمحلي، قد أدركوا أن الفضاء السياسي الدولي القديم قد استنفذ إمكاناته، كما بدأ باستنفاذ أدواته، وبالمقابل هناك فضاء دولي جديد ناشئ، بدأ يستنهض إمكاناته، ويشحذ أدواته.

كما لا شك أن لكل فضاء مصطلحاته ومفاهيمه المعبرة عنه، شكلاً ومحتوىً، وبالتالي فإن جملة المفاهيم والمصطلحات الدارجة والمعبرة عن شكل ومحتوى الفضاء السياسي القديم، ستغدو قديمة، وهي على ذلك سيُفرض عليها إعادة التصويب بما يتناسب مع شكلها ومحتواها الجديدين المتناسبين مع الفضاء الجديد، وذلك بحكم ضغط الظروف الموضوعية الناشئة.
ولا يغير من هذا الواقع المحاولات والمساعي كافةً، بما فيها المكابرة والعناد، التي تتنطح بها بعض القوى، دولياً واقليمياً ومحلياً، حرفاً أو تشويهاً أو مراوغة، من أجل التضليل عما هو جارٍ وقائم من متغيرات عاصفة.
الموقف من الأزمة السورية مثالاً
بناءً عليه يمكن أن نتساءل: هل «الوطني» بالمعنى الملموس الحالي هو نفسه بالمعنى الملوس سابقاً؟ وهل مفاهيم مثل «التقدمية أو الماركسية» بمعانيها ومدلولاتها السابقة هي نفسها بمعانيها ومدلولاتها الحالية؟
الأمر المفروغ منه أن هناك معايير ترتبط بالمدلول والمعنى والمحتوى والهدف والأدوات، بحيث يمكننا بكل أريحية أن نقول: إن معيار الوطنية الحالي بالنسبة للوضع السوري مثلاً، هو عبارة عن الموقف العملي والفعلي من الحل السياسي، والذي لا يمكن اختصاره بالخطابات التقليدية فقط ، أو بالتمترس خلف عبارات الحدود والجغرافيا فقط، وعلى أهميتها بمدلولاتها القديمة، بل يجب أن ترتبط برؤية متكاملة، سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية تاريخية، وهي في الوقت نفسه يجب أن تكون آنية تعبر عن الواقع بمتغيراته ومتطلبات فتح الأفق العملي أمامه، وهو ما يمثله الحل السياسي عبر بوابة القرار الدولي 2254، والذي وحده القادر على فتح الأفق من أجل التغيير الديمقراطي الجذري والعميق والشامل.
كذلك لا يمكن أن نكتفي من أحدهم إن يقول بأنه ضد التدخل الخارجي، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وواقع الحال يقول أن التدخل الخارجي قائم عملياً، وأن الخارج لن يكف عن التدخل، بل لا بد من ربط هذا القول بالعمل على استثمار الأدوات الممكنة والمتاحة والتي ستحبط هذا التدخل، وهي من كل بد موجودة ومتوفرة، كما أن إمكانات حسن استثمارها موجودة ومتوفرة، ولعل المعيار العملي بين القول والفعل هو تلك المساعي التي تمنع تأثير هذا العامل، أو تحد منه بالحد الأدنى.
والحال كذلك، لا يمكن أن نكتفي من أحدهم أن يقول: بأنه ضد الطائفية، أو أنه مع وحدة سورية، فقط، دون الغوص بتفاصيل هذه المواقف ومدلولاتها العملية العميقة والدقيقة، وغيرها الكثير من المفردات والعبارات والمفاهيم المرتبطة بقضايا جوهرية وأساسية.
فالمواضيع والقضايا المطروحة حالياً، أولاً وآخراً، هي ليست مواضيعَ خطابية أو إنشائية، ذات جوهر ومضمون أخلاقي وقيمي، بل هي مواضيع هامة وذات حساسية عميقة بالشأن السوري، ليس لكونها سورية التي تعنينا بالمعنى الوطني آنف الذكر أعلاه فقط، بل كون سورية بالمرحلة الراهنة تعتبر واحدة من نقاط ومراكز الصراع الدائر بين الفضاءين، القديم الآفل، والجديد الناش، والوضع القائم بها، حالياً وحلولاً متوخاة وأفقاً، متعلق بالوضع العالمي ككل، رغم محدودية خياراته بحكم الضرورات الموضوعية، وهي على ذلك أمام تحديات جدية وعميقة، سيغدو معها الوعي السياسي القديم وأدواته غير قادرين على الفعل والتأثير بها، إلا بالشكل السلبي.

 

الوعي السياسي الجديد

إن المنعطف الذي يمر به العالم أجمع بهذه المرحلة، والمتغيرات التي يفرضها الفضاء السياسي الدولي الجديد، ستفرض على الجميع أن يستبدلوا أدواتهم السياسية القديمة المرتبطة بالوعي السياسي التقليدي، باعتبار أن هذا الوعي وتلك الأدوات لم تعد قادرة على أن تجيب عن الأسئلة المفروضة والناشئة، بحكم المتغيرات الجديدة الطارئة، وبالدرجة الأولى التوازن الدولي الجديد، وكل من يستطيع أن يبلور وعيه السياسي معتمداً على القاعدة المعرفية الواسعة والعميقة، ويمتلك الأدوات السياسية الجديدة، سيكون من الناجين من مغبات الانحراف عن السكة في هذا المنعطف المتسارع، بالمقابل: فإن الكثير من القوى «القديمة الراهنة» أو «المستحدثة اصطناعاً»، ستصبح بحكم الماضي قيد الدفن مع فضائها السياسي الآفل، سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي أو الدولي، وهي ضرورة موضوعية بدأت تثبت ذاتها بالواقع العملي الملموس، وهناك العديد من الأمثلة الحية على ذلك، اعتباراً من بعض القوى المحلية التي ذابت وانمحت وتلاشت، أو هي قيد التلاشي، مروراً ببعض القوى الإقليمية التي بدأ يضمحل دورها وهي في طور الانتهاء، وليس انتهاءً بأمريكا نفسها، والتخبط الجاري فيها وحولها، مع كل تداعيات ذلك على مستوى علاقاتها وأتباعها.

موسومة تحت

ملف سورية 2014,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 817
عد إلى الأعلى