إعادة التموضع.. جديد التراجع الأمريكي!

إعادة التموضع..  جديد التراجع الأمريكي!

يشهد المخاض العالمي الراهن تغيرات متسارعة، وينطوي على مواقف قد تفاجىء البعض أحياناً، ولكنها نتاج طبيعي لحجم التناقضات التي تتحكم بالبنية التي كانت مهيمنة على القرار الدولي، و تعكس عجزها عن الاستفراد باتخاذ القرار، وإدارة الملفات بالطريقة السابقة، وتبقى السمة الأساسية للوضع الدولي برمته، هي التراجع الأمريكي، وتداعياته، وتأثيراته المباشرة على هذا الملف أو ذاك من الملفات الدولية. 

الجديد في التراجع، أنه يفرض على كل القوى التابعة إعادة التموضع، في إطار سعيها إلى النزول من السفينة المهددة بالغرق، وباستعراض سريع لجملة التطورات في الحلف الأمريكي المأزوم والمتراجع، خلال الشهر الفائت فقط، نجد:
- انقساماً في صف الأتباع، الخلاف الخليجي – القطري الذي أعقب «زيارة تاريخية» لدونالد ترامب، وانعقاد ثلاث قمم، قدمت لنا كدلائل على عودة الدور الأمريكي، تغنى بها على مدى أيام كل الواهمين باستعادة هذا الدور.
- تفاقم الخلاف الأوربي – الامريكي، إثر الزيارة التي قام بها الرئيس الامريكي إلى بروكسل، ولقاءاته مع قادة الدول الأوربية، وردود أفعال أوربا القلقلة «وخصوصاً المانيا» على تصريحات ترامب، وتفاقم الخلاف بعد الانسحاب الأمريكي من اتفاقية المناخ.
- استمرار وتعمق الانقسام داخل الإدارة الامريكية: إقالة مدير المكتب الإعلامي في البيت الابيض، بعد سلسلة من الإقالات والاستقالات في الإدارة الجديدة، وشهادة رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي أمام الكونغرنس، بخصوص التأثير الروسي في الانتخابات الامريكية.
ما نريد قوله هنا، ليس التذكير بالتراجع، الذي بات ملموساً ومقراً به، بل إفهام من يريد أن يفهم، بأن هذا التراجع دخل طوراً جديداً، عنوانه الأبرز التآكل من الداخل، أليست هذه الأخيرة سمة ملازمة لأية بنية متراجعة؟ الأمر الذي يفرض بالضرورة إعادة تموضع قوى أساسية من الصف الأمريكي دولاً ونخباً سياسية في موقع آخر، والعمل بسياسات ومواقف أخرى.. وبالملموس، ماذا يعني ذلك كله سورياً؟
يعني أول ما يعني، إن القوى المعرقلة للحل السياسي للأزمة السورية، إقليمياً ودولياً، وأدواتها المحلية، في وضع لا تحسد عليه، وهو ما اعترف به، رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، بالقول «المعارضة في أسوأ حالاتها..» في معرض تقييمه لدور الائتلاف، وتوضيح الموقف الأمريكي، ..بمعنى آخر، الفرصة سانحة مجدداً لشن هجوم جديد من قوى الحل السياسي، وإلحاق ضربات متتالية بكل قوى الحرب، وعدم السماح لها بالتقاط أنفاسها.. ولا يغرنّ أحداً، العربدة بالطائرات، والانزالات هنا وهناك، والبروباغندا المرافقة لذلك، فهي مجرد ستارة من الدخان للتغطية على الانسحاب، وتحصيل ما يمكن تحصيله، و«دفاع نشط» في إطار تنظيم التراجع، يعتمد بالدرجة الأولى على فرط القوى العسكرية، والهيمنة الإعلامية، ليس اعتماداً على قوتها فقط، بل استثماراً في تعقيدات الظرف الناشىء في ظل الأزمة، وتسللاً من الهوامش التي توفرت على مدى سنواتها العجاف.

عد إلى الأعلى