Menu
البحث في أرشيف الPDF
البحث في إستطلاعات الرأي
البحث في المقالات

الإمبريالية والعلمانية

  • كتبه  جبران الجابر
الإمبريالية والعلمانية

شكل انتقال الرأسمالية إلى مرحلة الاحتكارات تحولاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً وثقافياً، كانت بدايات ذلك في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث تطورت الرأسمالية «وتكونت فيها سيطرة الاحتكارات والرأسمال المالي واكتسب تصدير الرأسمال أهمية كبرى وابتدأ تقاسم العالم بين التروستات المالية، وانتهى تقاسم الأراضي إقليمياً بين كبريات البلدان الرأسمالية»

تلكم هي تحديدات لينين لخصائص الرأسمالية الإمبريالية بعد أن تجاوزت مرحلتها الثورية الأولى ثم توطدت أركانها وأدى تراكم رأس المال إلى خصائص للرأسمالية لم تكن معروفة من قبل.


جوهر العلمانية وأبعادها

لقد أدى هذا الانتقال إلى تكنيس كل ايجابيات الثورات البرجوازية التاريخية، وتأسست قاعدة اقتصادية تجاوزت وتهاوت تحت تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة المفاهيم والآراء الثورية للبرجوازية، وكان من مفرزات ذلك الانتقال إلى الاستعمار الكولونيالي وإفراغ النظريات والأفكار والآراء الثورية من مضامينها، وجرى الالتفاف عليها ومحاصرتها، وفي هذا السياق كانت العلمانية بما تتضمنه فعلياً من أبعاد فكرية واجتماعية على رأس المفاهيم، التي أفرغت من مكوناتها المتنوعة التي شكلت البرنامج الثوري ضد الإقطاع، وجعلت العقل والفكر صاحب سلطة، مهمته إنهاء الإقطاعية وقواها الاجتماعية، وبذلك فإن الجانب «الثوري» لتلك النظريات والآراء ترسخ على قاعدة عقلية تؤكد أن الجوهري هو الثورة على علاقات الإنتاج الإقطاعية، وفتح الأبواب الواسعة أمام علاقات الانتاج الرأسمالية وبرز شعار «دعه يمر» لتحطيم الحواجز الإقطاعية واكتملت عناصر ومكونات الأمم في أوربا الغربية حيث تكونت الدول في نطاقها القومي.
لقد بدأ مفكرو الإمبريالية بتشويه، وتحجيم مفهوم العلمانية وحاصروها واختزلوها بشعار «عزل الدين عن الدولة» والذي كان واجهة برنامج البرجوازية في مرحلتها الأولى، وكان ضرورة تاريخية لمواجهة رجال الدين الذين شكلوا قوة مؤثرة في المجتمع بفعل نفوذهم الديني والاجتماعي، حيث كانوا قوة لاستمرار الإقطاع ومحاربة الفكر العلمي واضطهاد العلماء، ناهيك عن أنهم شكلوا فصيلاً إقطاعياً بحكم ملكيتهم للأراضي الواسعة وطرائقهم في التعامل مع الأقنان والفلاحين، واستخدموا زيهم الديني والتعاليم الدينية وتراتيل تمنحهم والإقطاعيين صفات إلهية، وقد أشار ماركس إلى «إن جوهر الشخصية المتفردة لا تحدده لحيتها ولا دمها ولا طبيعتها البدنية المجردة بل خاصيتها الاجتماعية».
إن قصر العلمانية على ذلك الشعار يعادل دفنها، ويجعلها مفهوماً يرتبط بسنوات الإقطاع، وينتهي أمرها بانتهاء التشكيلة الإقطاعية. وذلك في إطار إنكار الفكر البرجوازي أحد بديهيات علم الاجتماع، وهي أن «الفعل خاصية ملازمة للإنسان» وأن العلمانية هي أيضاً إعمال العقل بما يواجه المجتمعات من ظلم وجور واستغلال وسعي لإبقاء أسس الاستغلال، وما يلازمه من علاقات إنتاجية. والعلمانية في جوهرها برنامج يشمل مختلف ميادين الحياة، ويحاكم القوى الاجتماعية التي أصبحت مصالحها متناقضة مع قيم التحرر، وإنهاء الاستغلال وتأمين الحقوق السياسية على قواعد أصولها ومرتكزاتها وخصائصها الجوهرية، التي جوهرها النضال لتحرير قوة العمل في ظروفنا.


التوجهات والأنشطة المعادية للعلمانية

إن إهمال وتشوية العلمانية فرضه تعمق تناقضات الإمبريالية مع مصالح الغالبية من السكان، وأزمتها القديمة والراهنة وإصرارها على استعمار الشعوب بأشكال جديدة، ويمكن القول أن إفراغ العلمانية من جوهرها وأبعادها جرى بالاستناد إلى عملية ممنهجة شملت مختلف الميادين والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
كان هم مفكرو الإمبريالية أعداء كل الآراء والأفكار والنظريات التقدمية والاشتراكية، كان همهم تكريس نظرة لعلاقات الإنتاج الرأسمالي تجعلها خطاً أحمر لا يجوز النضال ضده أو تناوله، وبعد نظريات تخلص الإمبريالية من آفاتها جرى الترويج لنظريات أبدية الرأسمالية، وقبلها تسخير العلوم الاجتماعية لتبرير الاستغلال والحروب، مثل نظرية العلاقات البشرية وعلم الاجتماع الصناعي.
لقد أضحت الإمبريالية أكبر قاتل في تاريخ البشرية، حيث أدى تفاقم تناقضات الدول الإمبريالية إلى حربين عالميتين، قتل فيهما ملايين الأطفال والشيوخ والنساء، ودمرت بلدان بكاملها، ناهيك عن الحروب الاستعمارية على الشعوب المستعمرة لقهر نضالها التحرري، والحيلولة دون استقلالها، ومازالت الجزائر بلداً معروفة ببلد المليون شهيد، وفيتنام ببلد ملايين الشهداء، وكيف للإمبريالية أن لا تعادي العلمانية فعلياً، وهي التي احتضنت الفاشية والتمييز العنصري وروجت لأفكارها وقيمها.
لقد ازدادت مأسي البشرية مع تكون الاحتكارات ما فوق القومية وتفاقمت حِزَمُ الأزمات وازدادت المعاناة من الجوع والفقر، وبلغ إهدار المواد الغذائية ذروته، وتعاظمت النزعات العسكرية والتعصب القومي والديني، وتحولت الحقوق السياسية فعلياً لتكون حقوقاً لعدد الترشح للأثرياء وخدمهم من الطبقة الوسطى، وتقونن الحراك الاجتماعي والنقابي، وأصبح سقفه شجب كل دعوة ثورية علمانية، وتأخير النضال النقابي وقوننته بالحوار مع كبار الرأسماليين وممثليهم. 
إن تعمق الأزمات وتعددها وشمولها الطبيعة والبيئية، أعاد الأفكار السياسية والفكرية المعادية للعلمانية، وكانت ضرورات ذلك الأهمية البالغة لجعل الفكر الاجتماعي الاعتيادي يأخذ بآراء تصور أن تلك الظواهر خارقة، وخارج نطاق الفكر البشري، وعصية على عقل الإنسان. وشكل ذلك ضرورة طرح تطوير دور رجال الدين والدعوة إلى إعادة دورهم الاجتماعي، باعتبارهم أفضل من يقوم بإقناع الناس أن آفات الرأسمالية لا مفر منها، وأنها من الطبيعة البشرية، وأن العقل عاجز عن معالجة قضايا البشرية وتلكم إرادة إلهية لنبذ «الإلحاد» والعودة للإيمان وكأن أزمات العالم نتيجة لضعف الإيمان، وعدم السير وفق تعاليم رجال الدين و«إهانتهم» التاريخية. وقد كان ساركوزي من أوائل الرؤساء الذين دعوا إلى إعادة الاعتبار لدور رجال الدين الاجتماعي، أما في الولايات المتحدة فيجرى «التفاخر» أن الشعب الأمريكي هو شعب مؤمن.
ولم يتورع الفكر البرجوازي بمؤسساته المختلفة، عن محاولة توظيف العلمانية كمفهوم، في سياق عملية الاختراقات الجارية لبلدان الأطراف، من خلال تقديمه على أنه مجرد عملية فصل  الدين عن الدولة، واستثماره ذلك في الصراعات المشوهة، و كإحدى الثنائيات الوهمية..
إن تفاقم أزمة الرأسمالية وتحولها إلى دائمه ومستمرة وتطور جهاز الدولة الأمني عزز نزعات «العجزية» في أوساط المفكرين والمثقفين، وبرز ذلك عند غارودي الذي ظن أن الخلاص هو في تغيير انتمائه الديني، وجاء خطر ذلك باعتباره وسيلة لتأجيج التعصب الديني، وخلق معارك تصرف جماهير المستغلين عن وعي، أن أفات الإنسانية والاستغلال والاضطهاد والبطالة هي نتاج طبيعي لاستمرار علاقات الإنتاج الرأسمالية.
وقد أخذت النزعة «العجزية» سبيل الوعظ الديني ويجري إلحاح على ضرورة التسامي فوق الأمور الدنيوية، وقد كثرت الدعوات للإخاء ووحدة المواطنين، وذلك مع تزايد الترحيب والدعم لرجال الدين ودورهم الاجتماعي، وتنتشر أقوال تزعم أن العلمانية دعوة إلى عزل القيم الروحية والأخلاقية والمعرفية عن حياة الناس ودنياهم، ومع موجة ضرورات الإيمان ورجال الدين، يجري ترويج أن العلمانية دعوة دنيوية معادية للدين.
تنتشر تلك الآراء على يدي جماعات الإسلام السياسي، لأنهم يروجون إلى أن هوية الإنسان يحددها انتماؤه الديني الطائفي، ثم أنهم يزورون مفهوم العلمانية وجوهرها، ولم يأخذوا أن أساسها هو محاربة الاستغلال والظلم، وترمي إلى تحرير المقهورين والمستقلين.
يمكن أن نضيف: العلاقات بين الولايات المتحدة والتطرف الديني خير مثال تاريخي، هو تكوين ودعم «القاعدة» وتسهيل تقوية «داعش» عدا عن العلاقات السرية المتنوعة، ناهيك عن أنهم في الولايات المتحدة يبحثون دائماً عن الغطاء الديني لأي حرب يخوضونها أو يؤججونها.
إن العلمانية ليست مفهوماً انتهى أمره، إنها خاصية العقل البشري الباحث عن معالجة وحلول لقضايا عصره، وفي زماننا فإن جوهر ذلك المفهوم هو ضرورة، إنها تجاوز الرأسمالية كي يتحرر الإنسان وتتطور البشرية ويسود السلام كما كانت العلمانية عند ولادتها وتبلورها كمفهوم. السلاح الذي دفن علاقات الإنتاج الإقطاعية فإنها اليوم تأخذ مضمونها الحقيقي، من كونها قوة العقل البشري القادر بإنتاجه النظري والسياسي أن يخلص العالم من الرأسمالية، ويشق السبل المتنوعة لعلاقات إنتاجيه تؤسس لأنهاء الاستغلال واضطهاد شعب لشعب. 
جوهر العلمانية في زماننا يتطابق مع محتوى الفكر الاشتراكي الذي يصوغ برنامج تحرر البشرية من عبودية رأس المال.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 705
عد إلى الأعلى