أين تكمن المشكلة الجوهرية؟

أين تكمن المشكلة الجوهرية؟

طريقة توزيع الثروة بين الأرباح والأجور هي جوهر الصراع بين أصحاب الربح وأصحاب الأجور، فكلما زادت نسبة أصحاب الربح من الثروة وتمركزت في أيدي القلة القليلة، كلما تدهورت الأوضاع الاقتصادية وزاد مستوى بؤس وفقر الطبقة العاملة، مما قد يقود البلاد إلى إعادة إنتاج الأزمة، ويتحول معها الصراع بشكله الحالي إلى صراع قد يأخذ أشكالاً أكثر ضراوة وخطورة.

أسباب انفجار الأزمة تفاقمت أكثر
كانت نسبة توزيع الثروة في سورية قبل انفجار الأزمة 75 % لصالح أصحاب الربح والذين لا تتجاوز نسبتهم 25% من الشعب، بينما يذهب 25% من الثروة إلى 75 % من الشعب وهم أصحاب الأجور.
مع العلم أن نسبة توزيع الثروة في الدول الرأسمالية الغربية 60 % لأصحاب الربح و40 % لأصحاب الأجور، وهذا التوزيع كان نتيجة لصراع الدول الغربية مع المعسكر الاشتراكي فكانت تلك الدول مضطرة إلى تقديم تنازلات للطبقة العاملة، خوفاً من انتشار الأفكار الاشتراكية في بلدانها، وتحاول الدول الرأسمالية المحافظة على هذه النسبة حيث تعتبر أي خلل في هذا الميزان يدق ناقوس الخطر في مجتمعاتها.
خلال الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد حصل عكس ما كان يفترض أن يحدث، فبدل أن تتراجع الحكومة عن سياساتها الاقتصادية التي كانت من أهم الأسباب  الداخلية لانفجار الأزمة، زاد تمركز الثروة أكثر، حيث وصل إلى 13% لأصحاب الأجور مقابل 87% لأصحاب الربح ومع إصرار الحكومة على السير بسياساتها السابقة نفسها اتبعت أيضاً سياسة التقشف أو ضغط النفقات (حسب ما تحب الحكومة تسميته)، في الوقت البلاد بحاجة ماسة فيه إلى الاستثمار، وهو ما أدى إلى تعطل الإنتاج والاستثمار وتسبب هبوط قيمة النقد، وتراجع مستوى معيشة المواطن، وبدل أن تقوم بمحاربة الفساد وإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة، جرى تعويض هذه الخسائر من جيوب المواطنين عن طريق رفع أسعار السلع والمواد الأساسية ورفع الدعم عن المحروقات، وإطلاق يد التجار واحتكارهم للمواد الأساسية.

لا تطور في القوى المنتجة ولا في الإنتاج
من نتيجة هذا التوزيع الظالم للثروة، عزوف أغلب الشباب عن العمل، وزيادة نسبة التسرب من القطاع العام، بسبب انخفاض قيمة أجورهم، مقابل زيادة نسبة الهجرة خارج البلاد للبحث عن ظروف عمل أكثر ملائمة، وتفضيل من بقي في الداخل إقامة مشاريع خدمية صغيرة تغنيه عن الجوع مؤقتاً، وهو ما أدى إلى نقص في الأيدي العاملة في القطاعين العام والخاص، وخسارة البلاد لخيرة عمالها من حرفيين ويد عاملة خبيرة، ومن أصحاب الكفاءات العلمية أيضاً، فهذا المستوى من توزيع الثروة أصبح عائقاً أمام تطور القوى المنتجة وأمام تطور الإنتاج، فرؤوس الأموال التي تتكدس في جيوب رجال الأعمال لا تستثمر في الصناعة والقطاعات المنتجة، بل تذهب إلى القطاعات الخدمية والمالية كالفنادق والمصارف والعقارات والاتصالات ذات الربح السريع، وهذه القطاعات لا تخلق قيمة منتجة مجدداً ولا تضيف شيئاً، ولا تساهم في مكافحة البطالة ولا توفر سوى ربحٍ سريعٍ لرب العمل.
وبالرغم من هذه النتائج المأساوية، مازالت الحكومة ترى في القطاع الخاص شريكاً حقيقاً في عملية التنمية، وتعول عليه في مرحلة إعادة الأعمار، وهي تمهد البيئة التشريعية والقانونية اللازمة له، من قوانين كالتشاركية والاستثمار وقوانين عمل تناسب مصالحه، ولا تمر مناسبة إلا  وتتحدث فيها الحكومة عن مزايا القطاع الخاص، ودور رجال الأعمال في التنمية الاقتصادية، مغمضة عينيها عما وصلت إليه البلاد نتيجة لسياسات اقتصاد السوق الاجتماعي، وما آلت إليه البلاد اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

حلول وهمية لمشاكل جوهرية
تحاول اليوم بشتى السبل البحث عن حلول ولكن تبقى حلولها للوضع الاقتصادي بعيدة عن جوهر المشكلة، فتارة تتحدث عن إصلاح القطاع العام، وعن ضرورة الإصلاح الإداري، ومرة تلقي اللوم على العمال أنفسهم، وكأنها تريد ذر الرماد في العيون، فالفساد الذي توسع وانتشر وسيطر على البلاد نتيجة لسياسات اقتصاد السوق الاجتماعي، وهدد وجود البلاد، ومثّل جسر عبور للعدوان على سورية، ومع ذلك لا ترى الحكومة ضرورة في مكافحته إلّا على طريقتها، ولا ترى في ميزان توزيع الثروة مشكلة جوهرية لكل المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها البلاد، وما تزال مصرة على المضي بسياساتها، وكأن شيئاً لم يحدث وليس هناك دستور في البلاد، يلزمها بتطبيق العدالة الاجتماعية، ورفع المستوى المعاشي للمواطن، وحماية قوة العمل والقوة المنتجة والإنتاج.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 831
عد إلى الأعلى