قراءة في مشروع تعديل القانون الأساسي للعاملين في الدولة

قراءة في مشروع تعديل القانون الأساسي للعاملين في الدولة

تناقلت وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة مشروع التعديلات المرتقبة للقانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ للعام 2004. مما لا شك فيه أن أيّ قانون يمسّ مصالح شرائح واسعة من المجتمع، يحتاج بين الحين والآخر إلى دراسة متأنّية لمعرفة مدى مواءمته للتطورات المستجدّة من جهة، ومدى تمثّله لمصالح هذه الشرائح من خلال التطبيق من جهة أخرى. إن التعديلات التي أُجرِيَت على القانون عام 2004 لم تكن بالمستوى المأمول إطلاقاً، بعد أن أُشبِعت موادّه بالنقد والاقتراحات البديلة. وبعد أن تمّ تبنّي قسم كبير منها من قبل المؤتمرات النقابية المتعاقبة، إلا أن مصيرها كان طيّ الأدراج.

تراجع في حقوق العمال 

وها هو المشروع يطلّ علينا بصيغة مقترحات لعلّ أبرزها جواز تمديد خدمة العامل (الفئة الأولى) إلى سنّ الـ (65) سنة. إن هذا التمييز بين الفئات الوظيفية غير موفّق لا من حيث الشكل ولا المضمون، لأن الكفاءات ليست محصورة ضمن هذه الفئة دون غيرها، وايضاً يتعارض مع اتفاقيات العمل الدولية وقوانين العمل السورية. 

كما أنه لم يلحظ التفاوت الكبير وغير المنطقي ما بين سقف راتب الفئة الأولى وسقف الفئة الثانية، إذ من غير المعقول أن يصل الفارق إلى عشرة آلاف ليرة. لاسيما وأن عشرات الآلاف من الفئة الثانية يحوزون على شهادة معهد متوسط (سنتان فوق الثانوية). دون أيّ تمييز ما بين الحاصل على شهادة الثانوية، أو من تابع تحصيله وحاز على شهادة المعهد المتوسط.

من جهة ثانية. فإن تحديد سقف الراتب برقم معين لأيٍّ من الفئات الوظيفية الخمس، ليس من مصلحة العامل، ولا من مصلحة الجهة التي يعمل لديها، ولا من مصلحة الوطن؛ فقد يصل العامل إلى سقف الراتب مع بقائه سنوات عديدة قبل أن يحال على المعاش. دون أن يحلم بأية ترفيعة، أو زيادة على راتبه الشهري، إلا بترفيعة استثنائية استنسابية ولمرة واحدة.. وفي هذه الحالة يتراخى العامل في عطائه ويصاب بالكسل، نتيجة الغبن عندما يجد أن جهوده غير مقدّرة.

إننا نرى بأن العامل يجب أن يستمر في الحصول على ترفيعاته السنوية (العلاوة الدورية كل عامين) طالما أنه ما زال على رأس عمله. وفي ذلك إنصافٌ وتحفيزٌ له وتشجيعٌ لغيره من العمال على المثابرة بالنشاط ذاته والإخلاص في العمل. 

القضاء حصراً في التسريح

أما ما يخصّ المادة (137) سيئة الذكر، والتي نالت من النقد ما لم تنلْه مادة أخرى في القانون، والتي تقضي بجواز تسريح العامل دون ذكر الأسباب. فقد طالبنا مراراً بإزالتها كلياً من القانون، وقد لطّفها المشرع أخيراً بقوله: (أ- يجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص واستطلاع رأي لجنة مؤلفة من وزير العدل ووزير الشؤون الاجتماعية والعمل ورئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية.

أ- صرف العامل من الخدمة لأسباب مبررة، وتصفى حقوق العامل المصروف من الخدمة وفقاً للقوانين النافذة.

ب- يحق للعامل المصروف من الخدمة التظلم على قرار الصرف من الخدمة خلال 60 يوماً من تاريخ تبلغه القرار أمام لجنة تظلم مؤلفة من وزير العدل –وزير الشؤون الاجتماعية والعمل- وزير التنمية الإدارية- الوزير المختص- الاتحاد العام لنقابات العمال. وتبت اللجنة بالتظلم خلال /30/ يوماً من تاريخ ورود التظلم إليها.

ج- لا يسمح بالاستخدام أو الإعادة للعمل. للعامل المصروف من الخدمة بموجب الفقرة /أ/ من هذه المادة وذلك مهما كانت صفة هذا الاستخدام إلا بقرار من رئيس مجلس الوزراء يجيز ذلك.)

إننا نرى أن تسريح أيّ عامل يجب أن يكون عن طريق القضاء حصراً. من خلال رفع دعوى بحقّ العامل المسيء، أو المخالف لعقد العمل المبرم ما بينه وبين الجهة العامة ذات العلاقة. ويبقى العامل على رأس عمله إلى حين صدور قرار الحكم. لا أن يصرف من الخدمة ومن ثم يحق له اللجوء إلى القضاء! وكلنا يعرف مدى المماطلة والتسويف في إصدار الأحكام القضائية التي تستغرق أحياناً سنوات طويلة..

ثم هل لاحظتم ما نصّت عليه الفقرة (ج) من المادة (137) والتي تنسف إيجابيات ما قبلها؟ إذ أنه حتى لو صدر قرار الحكم بتبرئة العامل مما نُسِبَ إليه، فإن عودته إلى العمل مرهونة بقرار من رئيس مجلس الوزراء لا بالقرار القضائي؟!

على الوعد ياكمون

فيما يخص التعديل الوظيفي: فقد نصّ مشروع القانون على: (يجوز بقرار من الوزير المختص خلال مدة سنة من تاريخ نفاد هذا المرسوم التشريعي تعديل وضع العامل الدائم، القائم على رأس عمله، الحاصل على شهادة أعلى من الشهادة المعين على أساسها، إلى إحدى وظائف الفئة الأعلى). لم تفسّر هذه المادة فيما إذا كان الراغب بالتعديل قد حصل على الشهادة الأعلى بعد تعيينه – كما يشترط القانون المعمول به حالياً – أم بغضّ النظر عن تاريخ حصوله على الشهادة الأعلى؛ كون الكثير من العاملين اضطرّوا إلى التقدّم للعمل على أيّة شهادة تطلبها الجهة طالبة التوظيف دون الشهادة الأعلى التي يحوزها.

أما فيما يتعلق بعلاوة الترفيع السنوية فقد اقترح المشروع النسبة بـ (11 و 7 %) إننا نرى علاوة الترفيع يجب أن تكون واحدة لجميع العمال، لا أن تخضع لمشيئة الرئيس المباشر، وللاعتبارات والعلاقات الشخصية في تحديد نسبتها. وذلك درءاً لحالات الفساد والانتقامات والكيديّات.. وإذا كانت الغاية من وجود نسبتين للترفيع هي التفريق ما بين العامل المجتهد والمترهّل، فإنه يمكننا استخدام مبدأ المكافأة والعقوبة بهذا الصدد؛ ففي كل سنتين يُرهَق الإداريون في دوائر الدولة المعنيون بالترفيع، بتنظيم جداول نصف سنوية وحقول عديدة لتعبئتها، بقصد توخّي العدالة في تسجيل العلامة التي يستحقها العامل. وغالباً ما يتم إعداد هذه الجداول وما تسبّبه من هدر للوقت والجهد والمال في مئات الآلاف من الورق.. دون أن تلامس المرتجى. 

أخيراً، من المحزن بعد كل ما أصاب البلاد والعباد من ويلات وكوارث، مازلنا نتعاطى مع الأوضاع التشريعية بالعقلية المبتذلة ذاتها ما قبل الأزمة. وكأنك «يا ابا زيد ما غزيت!»

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 819
عد إلى الأعلى