بحثا عن إعلام عمالي

بحثا عن إعلام عمالي

رغم تصاعد النشاط العمالي في الآونة الأخيرة والذي تمخض عن إضرابات عمالية عدة في ريف دمشق والسويداء، بقي الإعلام العمالي غائباً أو مغيباً قسراً عن ساحة الصراع مع أرباب العمل، فالمنابر التي أخذت على عاتقها كما تدعي إيصال صوت العمال والجهر بمعاناتهم وقفت موقف المتفرج من بعيد ولم تكلف نفسها عناء نقل أو توثيق ما يجري في أروقة المعامل، غافلة أو متغافلة عما يحدث من تغييرات تؤكد أن حال العمال قبل الإضراب لن تكون كحالهم من بعده، ما عمق الهوّة بين العامل والإعلام العمالي المفترض أن يكون في قلب الحدث والذي تحول في كثير من الأحيان إلى كاميرا ترصد الإنجازات وتعدد المكرمات التي ينثرونها “بسخاء” على العمال الأشد فقراً ومع هذا فإن المقاييس المعتمدة للأشد فقراً هي مقاييس تنطبق على 90% من العمال في القطاعيين العام والخاص.

الحاجة إلى بدائل
هُوّة تطلبت ولا شك أن يمضي العمال قدماً بحثاً عن وسيلة أنجع لإيصال صوتهم وتوثيق إضراباتهم وحمل مطالبهم الحقيقية إلى من يمسك في يده مقاليد الأمور بعيداً عن التغني بأمجاد هذا أو ذاك أو عن تملق رب العمل عسى أن يخفف من ظلمه للعمال وهو أبعد ما يكون عن واقع الإعلام العمالي
الإعلام العمالي قبل كل شيء هو: إعلام مناضل يعبر عن المصالح الحقيقية للطبقة العاملة ويعكسها ليتسلح بها العمال في مختلف القطاعات الإنتاجية وغير الإنتاجية المختلفة في مواجهة الإعلام الآخر الذي يعبر عن المصالح السياسية والاقتصادية للطبقة المهيمنة والتي تملك الوسائل والأدوات والخبرة الإعلامية لتسوق فكرتها وموقفها بأن ما تقدمه لأصحاب الأجر هو تضحية منها وهي تضحية كافية كي ما يمتنع العمال عن المطالبة المستمرة بحقوقهم فعليهم القبول بما هو «مقسوم لهم» من رزق ألا يكفي العمال أن أرباب العمل يؤمنون لهم فرص عمل تقيهم شر التسول والحاجة؟.
إن أحد أبرز هذه البدائل التي لجأ لها العمال في العديد من تجمعاتهم كانت مواقع التواصل الاجتماعي وفي طليعتها الفيس بوك، حيث اتجه بعض العمال إلى إنشاء صفحات تحمل اسم عمال معمل كذا، ورغم أن وصول هذه الصفحات كان محدوداً للغاية وإمكاناتها مقيدة بوضع العمال الاجتماعي والاقتصادي والخبرة في الدرجة الأولى إلّا أنها حملت دلائل عميقة مغزاها في المقام الأول أن العمال باتوا يعون أنهم بحاجة إلى إيصال صوتهم بعيداً عن إعلام يحمل اسمهم دون همومهم.
عمالي بالاسم
في المقابل ظهرت صفحات أخرى على فيسبوك تحمل أسماء عريضة وصفحات خاصة بالنقابات كل على حدة، ورغم أن وصولها كان أكبر بكثير من صفحات العمال بالاستناد إلى اعتمادها على مختصين في العمل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك لم يساعدها على أن تكون قناة ناقلة لصوت العمال، ذلك أنها بقيت مقتصرة على تغطية اجتماعات وتحركات بعض القيادات وما يتمخض عنها من وعود بتحسين وضع العمال دون ان تكون على تماس حقيقي ومباشر مع واقعهم.
بعيداً عن الثناء
العمال ليسوا بحاجة إلى عبارات المديح والثناء التي تنهال عليهم في المناسبات وفي الصحف والمواقع الرسمية، فهي ليست سوى كلمات تذهب أدراج الرياح ولا تترجم على أرض الواقع، وما يريده العمال اليوم في ظل هذه الظروف القاسية والتي دفعوا ثمنها وحدهم، هو قوانين تعنى بهم، وترفع مستوى معيشتهم عبر زيادة أجورهم وتعويضاتهم، تحفظ حقوقهم من تطاول أرباب العمل.
ماذا نقرأ؟
ينبه أحد الفلاسفة الذين وقفوا إلى جانب الطبقة العاملة في صراعهم مع البرجوازية في هذا السياق، إلى حقيقة بسيطة، هي: أن هناك مئات الآلاف من العمال الذين يشترون بشكل منتظم ويومي الصحف الناطقة باسم أرباب العمل ومن في حكمهم، مما يساعد تلك الصحف على ترسيخ سلطتها والاستئثار بالسوق على حساب الصحف الاشتراكية العمالية التي تكون أقل انتشاراً بفعل التضييق الحكومي، فإذا سألت أول عامل تصادفه في وسائل المواصلات أو في الشارع وهو يطالع جريدة برجوازية مفرودة بين يديه، سوف تكون إجابته كالتالي: «لأنني بحاجة لمعرفة ماذا يحدث». ولن يتطرق إلى ذهنه أبداً أن الأخبار والمكونات التي تقوم عليها الجريدة قد أعدت مسبقاً بطريقة خاصة لتوجه أفكاره وتؤثر على مزاجه وتدفعهما نحو اتجاه بعينه، ورغم أن العامل قد لا يدرك الغايات البعيدة لهذه الصحافة إلا أنه يعي تماماً أنها صحف انتهازية تعمل لصالح الأغنياء، أو ترتبط بمجموعات سياسية مصالحها على طرفي نقيض مع مصالحه.
وهكذا تراعي هذه الصحف مصالح أرباب العمل حتى في أصغر التفاصيل، فتمارس التعتيم المتعمد على الإضرابات أو تشير إلى العمال المضربين باعتبارهم مثيرين للشغب، وفي الوقت نفسه تصفق لقرارات الحكومة وإنجازاتها المفترضة على اعتبارها مفيدة وعادلة وتصب في خدمة المجتمع حتى لو كانت أبعد ما تكون عن ذلك، هذا طبعا إلى جانب ما تمارسه من تضليلٍ وخداعٍ للطبقة العاملة.
ويؤكد هذا الفيلسوف، على ضرورة أن يستعيد العمال تقييمهم الصحيح للواقع من منظورهم وليس من منظور أرباب العمل، مشيراً إلى: أن «الأموال التي يضعها العمال في أيدي بائعي الصحف البرجوازية، هي بمثابة قذائف ممنوحة لأرباب العمل والذين سيوجهونها حين يستدعي الأمر ضد جماهير الطبقة العاملة».

موسومة تحت

إعلام,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 815
عد إلى الأعلى