أزمة الديون... معركة الدولار الأخيرة

أزمة الديون... معركة الدولار الأخيرة

تبدأ المنظومة المالية العالمية مرحلة جديدة في الاقتصاد العالمي، وفي إدارة الأزمة الاقتصادية العالمية، فالبنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) ومن خلفه البنوك المركزية في الاتحاد الأوروبي واليابان، تتجه نحو إنهاء تدفق المال السهل المستمر، منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2007. فكيف استفادت المنظومة المالية من آلاف المليارات التي ضختها، وكيف ستستفيد من إيقاف هذه العملية؟

بدأ الإعلان الصريح عن اتجاهٍ نحو إيقاف سياسة التيسير الكمي، ونهاية (عقد المال السهل): وهي سياسة ضخ النقود والديون من البنوك المركزية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، وأسعار الفائدة السلبية، وبدأ اليوم رفع أسعار الفائدة تدريجياً. ونتائج هذا يعلمها الجميع، وهي ذات أبعاد مالية واقتصادية عميقة... أزمة الدّين العالمي التي يتوقعها الجميع، وفي مقدمتهم: الأمم المتحدة في تقرير التجارة والتنمية الدولية لعام 2016.
تكتيك نشر المال السهل
منذ أن بدأ ضخ النقود في شريان الاقتصاد العالمي، عبر حزم الإنقاذ عقب الأزمة المالية، وخلال السنوات العشر اللاحقة، لعبت هذه الأموال دوراً محدداً: ضخمت القطاع المالي إلى حدٍ بعيدٍ، وضخمت مؤشرات الأسواق المالية العالمية، وانتقلت هذه الأموال ديوناً للاقتصاد الحقيقي عبر العالم، وجذبت بالمقابل الكثير من الأموال نحو الأسعار المتضخمة للأسهم والسندات.
فوصل الدّين العالمي إلى مستوى 327% من الناتج الإجمالي العالمي، 70% منه بالدولار. وارتفعت قيم الأسواق المالية مترافقة تماماً مع توسع الضخ النقدي. فعلى سبيل المثال: توسع ضخ البنك الفيدرالي الأمريكي بين 2008_ وشهر 10-2017 بنسبة 350% وارتفعت أسعار مؤشر سوق S&P 500 الأمريكي بنسبة 325% خلال الفترة ذاتها.
لم يكن (عقد المال السهل) مجرد عملية إنقاذ للبنوك من الإفلاس، وتوجيه الأموال لخدمتها، بل كانت عملية تهدف إلى مركزة كبيرةٍ للثروة والمال العالمي لدى المراكز المالية، أي: عملية تجميع كبرى، والدّين هو أداتها.
فالأموال التي توجهت للأسواق المالية، تحولت إلى استثمارات وديون على أسواق وشركات الدول الصاعدة، حيث يبلغ مقدار ديونها في 2016 حوالي 25 تريليون دولار، أي: أن المراكز المالية وسعت مساهمتها وحصتها في الاقتصاد العالمي بشكل كبير، وتعتقد بهذا أنها برفعها لفوائد الدّين، إنما تمتلك القدرة على الحصول على هذه الأملاك في لحظة اندلاع الأزمة، وبدء صعوبات السداد على المستوى العالمي. أي: تحولت النقود والديون إلى ثروات وملكيات وحصص في الاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى أدت عملية ضخ الأموال في الأسواق المالية، ورفع أسعار الأسهم والسندات فيها، إلى جذب المال العالمي إلى هذه الأسواق ليغنم من ارتفاعات الأسعار فيها، ومن آليتها المضاربية. أي: أن البورصة العالمية، وقطاع المضاربة المالي العالمي، حول قدراته إلى أملاك وأدوات تحكّم بالاقتصادات الصاعدة، وعبّأ جزءاً هائلاً من المال العالمي في مراكز المال الأساسية.
في المقابل، لم ينعكس هذا زيادة في التراكم الاستثماري في القطاعات الصناعية الكبرى في المراكز، التي بدأت منذ عام 2013 تتراجع مؤشراتها الاقتصادية وأهمها: توسيع الاستثمار فيها. ولم ينعكس هذا في زيادة معدلات الاستهلاك والطلب في المراكز وعبر التجارة العالمية. أي: لم يتوسع الاستثمار، ولم يتوسع الاستهلاك، وبقيت عوامل الركود الاقتصادي تتفاقم، وأصبح إعلانه قريباً كما يتوقع الاقتصاديون عبر العالم. ومن أجل هذا، أي: من أجل تجلي أزمة الركود الاقتصادي عالمياً، تنتقل السياسة المالية للمركز الرأسمالي المالي العالمي إلى مرحلة جديدة، وتوقف توسع الديون.
تكتيك الاستفادة
من إشعال الدَّين
إن اقتراب الركود وظهور تجلياته، قد يؤدي إلى انفجار الفقاعات المالية في سوق الأسهم، وانفجارها هو أمر حتمي، لذلك تختار إدارة المال العالمي في الفيدرالي الأمريكي، أن تنظم عملية إدارة تراجع القطاع المالي، وأن تختار تنفيس الفقاعة، عبر بدءٍ منظمٍ للتراجع. فمن المحتم أنّ إيقاف التيسير الكمي، ورفع أسعار الفائدة سينجم عنه فشل مالي واسع النطاق. ولذلك فإنه عقب عملية التجميع الكبرى في القطاع المالي، وتحويل جزء منه إلى أملاك وثروات ملموسة عبر الاقتصاد العالمي، فإن المركز المالي العالمي يستطيع أن يتحكم ويفاوض ويدمج ويبتلع، ويبتز الاقتصاديات التي ربطت جزءاً هاماً من اقتصادها بمنظومة الدين الغربية.
والأهم، فإن هذه العملية، أي عملية بدء سداد الديون، وإيقاف توسعها، تعني طلباً عالمياً واسعاً على الدولار، ورفع قدرته التفاوضية التي بدأت تهتز، بالتلويح، الذي سينتقل قريباً إلى أفعال بإزاحة الدولار من التعاملات التجارية بين العديد من الدول الصاعدة، والتعامل بالعملات المحلية، وبالعملية التي أعلنت الصين إطلاقها خلال أشهر، وهي عملية شراء الصين للنفط (وهي أكبر مستورد عالمي) بسندات اليوان التي يمكن استبدالها بالذهب.
تعتبر المنظومة المالية العالمية، أن الوقت قد حان، لإشهار السلاح السام الأقوى في معركة التراجع الاقتصادي، والركود الرأسمالي القادم، أي: سلاح الديون العالمية، التي نذّكر أن 70% منها بالدولار. وتعتبر أن الوقت قد حان لتنتقل من توسيع نشر الديون كطعم، لتسحب السنارة وتلتقط الأسماك الكبرى، وتسمح للدولار بالاستمرار على عرش المنظومة المالية... فالكل سيطلب الدولار ليسد الديون ويحافظ على ممتلكاته، ومن لا يسدد فإنه يرهن الثروات والإنتاج القائم على الدين لملكية مصدري سندات الدولار، لمركز المنظومة المالية العالمية في البنك الفيدرالي الأمريكي بالدرجة الأولى. ولكن طغاة المنظومة المالية يعلمون أن هذه العملية هي مقامرة كبرى، ومحفوفة بالمخاطر، وتحديداً عندما تبدي القوى الاقتصادية والسياسية الصاعدة عالمياً أداءً عالياً في التعامل مع أدوات رأس المال المالي العالمي العسكرية والسياسية حتى الآن. إن فتح أزمة الديون على مصراعيها، مترافقة مع الركود الاقتصادي العالمي، سيترك القوى الاقتصادية العالمية الأخرى جميعها أمام خيارات قليلة: الامتناع عن السداد، أو تسليم مزيد من الجزء الهام من زمام الثروة العالمية للمركز المالي العالمي. والامتناع عن السداد ليس عملية بسيطة، بل هو مواجهة سياسية واقتصادية هائلة، وهو يعني: خلق بدائل سريعة على المستوى المؤسساتي العالمي، بدائل لتجنب ردات فعل، وأدوات المنظومة المالية العالمية: تجنب سيطرتها على التمويل العالمي بخلق آلية تمويل بديلة، وتجنب سيطرتها على التبادل والتجارة العالمية بالبحث عن بدائل، وتجنب مصادرتها للثروات، بإنقاذ الجزء الأهم من الاقتصاد الحقيقي المرهون للديون، عبر شرائه عن طريق الدول، وعبر مصادرة الأملاك للاحتفاظ بها. أزمة الديون تشبه إعلان حرب عالمية... وكما أنتجت الحروب العالمية مرتين بدائل سياسية اشتراكية، فإن أزمة الديون التي تأتي وسط عجز الآلة العسكرية الأمريكية عن الترهيب والانتقام، قد تؤدي إلى تسريع كبير للبدائل العالمية لمنظومة النقد والتمويل العالمي، آخر معاقل قوة رأس المال المالي المحتضر.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 836
عد إلى الأعلى