تجميع الدولار... تخفيضه مؤقتاً

تجميع الدولار... تخفيضه مؤقتاً

بدأ المصرف المركزي بعمليات شراء الدولار بمستوى واسع نسبياً، ويقول المصرف التجاري بأن المواطنين قد باعوه يومياً ما يقارب 10 ملايين دولار منذ انخفاض سعر صرف الدولار في السوق، ثم انخفضت هذه المبيعات إلى 5 ملايين دولار، بعد أن أصدر المصرف المركزي قراراً بأن من يأتي للمصرف ومعه ألف دولار وما فوق ليبيعها فيحصل على قرابة 515 ألف ليرة أو أكثر فإنه لن يستطيع إخراج هذه المبالغ بالليرة إلى السوق مباشرة، بل عليه أن يودع هذا المبلغ بالليرات السورية في حساب المصرف لمدة شهر على الأقل، ويحصل على فوائد ودائع مقابلها 14% تقريباً.

ونظرياً، فإن هذه العملية تؤدي إلى زيادة كتلة القطع الأجنبي لدى المصارف العامة، وتتم بطريقة مضبوطة بحيث تمنع توسع كبير في كتلة الليرة التي تضخ للسوق المحلية. ولكن هل هذا يضمن استمرار سعر الصرف منخفضاً، ويمنع الارتدادات؟
سيؤدي سعر الصرف المنخفض في السوق الموازية إلى زيادة الطلب على الدولار فيها، لأغراض التجارة والأعمال، فكل طالبي الدولار الكبار سيسعون للحصول على الدولار من السوق عوضاً عن التمويل من المصارف أو السوق النظامية. أي: سيزداد الطلب على الدولار من قطاع الأعمال في السوق، وبالمقابل فإن كتلة الدولار المعروضة في السوق ستقل نسبياً بعد أن تكون قد خسرت جزءاً من الكتلة التي تتدفق إليها من التحويلات، ومن بيع المواطنين للدولار لحاجات الاستهلاك، بعد أن توجه هؤلاء إلى المصارف العامة ليحصلوا على سعر أعلى. وبخسارة السوق لهذا الجزء فإن كتلة الدولار المتداولة تتراجع، مقابل ازدياد الطلب الكبير على الدولار من التجار ولصالح الأعمال التي ستسعى لشراء الدولار الرخيص في السوق الآن، ما يعني زيادة احتمال ارتفاع سعر الصرف في السوق. وخصوصاً أن السوق أو كبار حائزي الدولار يعلمون أن سقف الانخفاض محدد في الموازنة بمقدار 500 ليرة.
أهم ما حصل خلال السنة الماضية هو تقلص حوافز المضاربة، حيث تراجع تدفق الدولار الرخيص من المناطق الخارجة عن السيطرة إلى السوق الموازية السورية، وبيعه بأسعار مرتفعة في المناطق المسيطر عليها، وتوقف السياسة النقدية التي كانت تغذي المضاربة عبر بيع الدولار، واللحاق بسعر الصرف المنخفض، وأساس هذا كله كان التسارع المستمر في التدهور الاقتصادي والإنتاجي، الذي يدفع جميع كبار أصحاب الربح إلى الإسراع في التخلص من الليرات التي تتكدس في وجوههم.
اليوم استقر مستوى الأسعار بسبب تراجع حوافز المضاربة، ولكن بسبب أساسي يتعلق بتراجع العنف، وتوسع مساحة وإمكانية الإنتاج والنمو، وأي إجراء لا يدعم هذين الجانبين لن يساهم في استمرار استقرار الليرة، بل يساعد بالتحكم بسعر صرف الدولار فقط، وهذان أمران منفصلان.
فلا يمكن أن نقول: إن السياسات النقدية وحدها كافية للحفاظ على قيمة الليرة، طالما أن السياسة الاقتصادية تدعم التجارة على حساب الصناعة، كما في القرارات الجمركية الأخيرة المتعلقة بالأقمشة والمنسوجات، وكما في رفع أسعار الفيول والمازوت للصناعيين في الوقت الذي تتوسع إمكانات تأمين الطاقة محلياً!
الليرة ترتبط بالإنتاج المحلي وبكلف الإنتاج، وبمقدار دعم هذا وذاك تكون الليرة محمية وقابلة لاستعادة قيمتها وارتفاع قدرتها الشرائية، وسوى ذلك هو مناورة على سعر الدولار وليس قيمة الليرة.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 831
عد إلى الأعلى