بارونات الزراعة العالمية.. «تبتلع بعضها»

بارونات الزراعة العالمية.. «تبتلع بعضها»

يواجه قطاع الصناعة الغذائية العالمي نقداً مستمراً حول نشاطاته التي تساهم في التغير المناخي والتدمير البيئي والفقر الريفي العالمي، حيث تصل كافة أصابع الاتهام في نهاية المطاف، لتدل على الاحتكارات العالمية المتحكمة بهذه السوق وسعيها المحموم الإجرامي للربح..

مشاكل هذا القطاع وإجراء تغيرات فيه لن تحل بسهولة لأنه يقدم نموذجاً واضحاً لدرجة التمركز العالية، والاحتكار العالمي لأعمال القطاع من الحقل وحتى المستهلك النهائي، في سوق تضم أكثر من 570 مليون مزارع عبر العالم، و7 مليار مستهلك، تقابلهم في الطرف الآخر شركات أقل من عدد أصابع اليد الواحدة...
عام الاندماجات الكبرى
لا تعاني سوق الصناعات الزراعية –الغذائية من مشاكل كبرى في الطلب كما في القطاعات الأخرى، بسبب طبيعة إنتاجها ومحوريته، ومع توسع القدرات الاستهلاكية في الأسواق الكبرى للدول الصاعدة كالصين فإن سوقها حالياً تشهد انتعاشة في الطلب.
الشركات الكبرى المسيطرة على هذه السوق ابتلعت على مدى عدة عقود الشركات والمنافسين الصغار والعاملين على طول سلسلة الإنتاج لتدمجهم في نشاطها، إلا أنها اليوم قد بدأت تبتلع بعضها البعض، وبدعم وتمويل من الفوائض المالية العالمية في قطاعات أخرى.
وخلال هذا العام جرت ثلاثة اندماجات كبرى، حيث تسعى شركة باير Byer ثاني أكبر منتج للأسمدة عبر العالم، إلى شراء شركة مونسانتو Monsanto: أكبر منتج للبذار في العالم بمبلغ يقارب 74 مليار دولار. ومنذ أيام وبتاريخ 15-6-2017 تمت المصادقة على صفقة اندماج بقيمة 73 مليار دولار لاحتكارين سابقين أمريكيين في مجال الكيميائيات الزراعية: Dow مع DuPont التي كانت مصنفة الرابعة عالمياً من حيث الحصة من السوق العالمية، وقبلها أيضاً وفي الشهر الخامس من العام الحالي أعلن عن تحالف جديد «ChemChina-Syngenta» الناشئ عن شراء شركة ChemChina المملوكة للدولة الصينية، لتجمّع Syngenta السويسري لإنتاج الكيميائيات الزراعية، بعملية اندماج كلفتها 43 مليار دولار.
نتيجة هذه الاندماجات الكبرى إن القطاع سيصبح متحكماً به من قبل ثلاثة احتكارات كبرى: باير- مونسانتو، داو-دوبونت، وكيم شاينا-سينغينتا. عملياً هذه التحالفات الحالية الكبرى، تسيطر على 60% من إنتاج وبيع البذار والكيميائيات الزراعية عالمياً، وتحالف باير ومونسانتو سيكون المزود العالمي الوحيد للنباتات المعدلة وراثياً جميعها عبر العالم.
«السيادة القريبة للرقمنة الزراعية»
هذا الانتقال النوعي في الحجم الاحتكاري للسوق، سيترافق حتماً مع منافسة «عالية الوطيس»، سيكون محورها عملياً الربط مع التكنولوجيا الزراعية العالية، فالتحالفات المذكورة بدأت تعمق روابطها بالتقنيات الصناعية بشكل مباشر، حيث أنشأت مونسانتو تحالفاً مسبقاً مع John Deeres شركة صناعات ثقيلة متخصصة بالمعدات الزراعية، وتسعيان إلى التحكم بالمعطيات الكبرى «big data» للطقس والتربة، وبالبذور المحسنة جينياً، وقريباً جداً سيصبح النمط الاستثنائي للتكنولوجيا العالية في الزراعة نمطاً سائداً، لتتولى الطائرات بدون طيار مهمة رش المبيدات، ويتم تجهيز المواشي بأجهزة استشعار لتتبع كميات الحليب وأنماط الحركة وحصص العلف، والجرارات سيتم التحكم بها بواسطة GPS، وآلات البذر ستستطيع عبر تطبيقات معينة أن تقيم نوعية التربة لتحديد المسافة المثلى بين الصفوف والنباتات.
وعندما يصبح هذا المستوى من التقنيات هو السائد فإن علينا أن نتوقع تغيرات اجتماعية كبرى، وخروجاً هائلاً للعديد من المنتجين الزراعيين عالمياً من سوق الزراعة العالمية، وستنتقل معادلة السوق العالمية من التوسع كشرط للاستمرار، إلى الرقمنة «digitizing» كشرط للإنتاج الزراعي.
نتائج التكنولوجيا العالية والربح!
الأزمة الاقتصادية العالمية، تؤدي موضوعياً إلى هذا النوع من التمركز العالي لملكية الثروة المتمثلة بسوق الإنتاج العالمية للقطاعات، وتوفر الأموال في هذا القطاع لهذا النوع من الاندماجات يعبر عن سعي رؤوس الأموال العالمية، إلى تثبيت أقدامها في قطاعات الثروة الحقيقية، والقطاعات ذات الطلب المضمون، وعالية التحكم، كالقطاع الزراعي ولكن الوصول إلى هذا المستوى من الاحتكار، ومن القدرة على التحكم بإنتاج وأسعار الغذاء العالمي، وحجم التناقض الذي يخلقه مع البيئة، ومع النتائج الاجتماعية والسياسية لمزيد من التدهور لأكثر من 800 مليون جائع عبر العالم من المزارعين الصغار والعمال المرتبطين بالقطاع الزراعي، سيصبح الإنتاج الزراعي فوق طاقتهم، وستحل الآلات محل قوة عملهم، وهو ما سيضع هذه الشركات في تناقض مع الدول التي تستضيفها، ويفتح جميع الاحتمالات...
الوضع الراهن والمقبل للقطاع الزراعي العالمي يضع الجميع أمام الاستحقاق القديم الجديد، ولكن بشكل ملح أكثر: حيث أصبح من الموضوعي أن تسحب التكنولوجيا العالية والقدرات الإنتاجية الهائلة، من يد الاحتكارات الساعية للربح، والتي تنتج حسب الربح، فلا تستغل القدرات الإنتاجية بشكلها الأقصى عند تراجع الطلب العالمي، وتستهلك الموارد الطبيعية للحد الأقصى عندما يقتضي التنافس توسعاً وإنتاجاً أكبر. إن هدف السعي نحو الربح في كل القطاعات، وفي قطاع إنتاج الغذاء تحديداً هدف مدمر ، ولا يمكن حل مشكلات الفقر ونقص الغذاء والهجرة من الأرياف، وارتفاع أسعار الغذاء، والتدمير البيئي والحيوي، إلا إذا تحول الإنتاج إلى إنتاج عقلاني، يهدف إلى إنتاج الغذاء وحماية الموارد البيئية، وتخفيض أسعار الغذاء عالمياً، وليس إلى تكديس الأرباح وما ينجم عنها من فوضى..

قد يقول البعض: إن التحول نحو إنتاج زراعي عالمي عقلاني لا يهدف للربح، أمر صعب ويقف دونه قوة الشركات وهيمنتها السياسية والاقتصادية العالمية، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنه في مواجهة قدرات مالكي الإنتاج الزراعي العالمي الكبار ومسعاهم للمحافظة على الربح، عدة ضرورات تاريخية أهمها حجم الفقر العالمي، وأخطار التدهور البيئي، ولكن الفرصة الأهم تكمن في أن هذا المال المتمثل في ملكية قطاع الزراعة العالمي جزء من السوق العالمية المريضة اقتصادياً وبعمق، أي أن من هم في أعلى سلم الملكية أصبحوا مأزومين، ومن هم في أسفله لم يعودوا قادرين على احتمال التفريط بالبشر وبكوكبهم، ومن وضع كهذا تنشأ الحالات الثورية التي تغير في البنية الاقتصادية العالمية...

موسومة تحت

الزراعة,
عد إلى الأعلى