الاتجاهات الاقتصادية لتغير ميزان القوى الدولي

الاتجاهات الاقتصادية لتغير ميزان القوى الدولي

يتفق الجميع على أن موازين القوى السياسية العالمية تتغير، ولكن هذا التغير لا يجري عن عبث، حيث تسبقه تغيرات في التوازنات الاقتصادية العالمية تعود لعقود مضت...

الناتج العالمي أصبح ينتج بأغلبه في الجنوب، والعلاقات التجارية الدولية يجري تحول جدي في وزنها، لتلعب تلك الدول الصاعدة من بين الدول النامية دوراً استثنائياً فيها، كما أن عامل النمو الأساسي المتمثل بحجم الاستثمار الثابت من الناتج، تدل على رسو النمو الاقتصادي في تلك الدول، ورغم أن التشابك الاقتصادي العالمي ودور أموال الغرب خلال عقود مضت يلعب دوراً في هذا التحول، إلا أنه لا يلغي الوقائع التي تقول: إن التوسع والتقدم الاقتصادي يجد أسساً راسخة في دول الجنوب، ويهز بعمق أساسات علاقات الهيمنة الغربية، ليبقى قطاع المال كعصب وصل يربط الناتج العالمي ويقيده بالمركز المالي الغربي، واحداً من أهم أدوات الهيمنة، وواحداً من أهم التحديات التي تواجه الدول التي تريد أن توجد لنفسها أطراً اقتصادية حيوية مستقلة.
في المقال التالي نستعرض بعضاً من اتجاهات تغير المساهمة بالناتج العالمي، والتجارة العالمية، ونسب الاستثمار الثابت إلى الناتج بين دول العالم، مع قراءة أولية في دلالاتها.
«الجديد» يولد في الجنوب
إذا ما أخذنا دول المركز الغربي الأساسية في الولايات المتحدة وكندا- الاتحاد الأوروبي- واليابان وقرأنا تغيرات مساهمتها في توليد القيم المضافة الجديدة، أي: الناتج الإجمالي العالمي سنوياً، فإننا نلاحظ انقلاباً تاماً حصل خلال قرابة نصف قرن..
ففي عام 1960 ساهمت هذه المراكز الغربية السابقة بنسبة تزيد على 66% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي: إن أكثر من ثلثي القيم المضافة الجديدة التي أنتجت في ذلك العام تعود إلى النشاط الاقتصادي لتلك الدول، بينما أقل من 34% من هذا الناتج كان مصدرها بقية دول العالم، والتي يشكل «الجنوب» أو دول العالم النامي معظمها. أما في عام 2016 وبعد حوالي 56 سنة، انقلبت هذه النسبة، حيث ساهمت الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي واليابان، بنسبة تقارب 32% من الناتج الإجمالي العالمي، بينما الثلثان أنتج في باقي دول العالم. أي: إن نصف قرن تلت عقد الستينيات ومع نهاية عقد النمو الذهبي في الخمسينيات بعد الحرب، كانت كفيلة بانخفاض مساهمة المركز الغربي في الناتج الإجمالي العالمي إلى أقل من الثلث.
تجارة البضائع
الجنوب الصاعد يوازي الشمال المتقدم
التجارة العالمية التي ازدهرت وتوسعت عقب الحرب العالمية الثانية، ووصلت إلى ذروتها في التسعينيات، شهدت تغيرات جدية خلال هذه الفترة من حيث أوزان الشمال والجنوب في هذه التجارة، ومن حيث علاقات تجارة: شمال- جنوب، وجنوب- جنوب مع بعضها البعض، وتميز الدراسات الدول الصاعدة من دول الجنوب العالمي والمكونة من حوالي 55 دولة بتعداد سكاني يقارب 4.69 مليار نسمة، ونسبة 65% من التعداد السكاني العالمي. بينما دول الشمال العالمي تصنف في 23 دولة تضم حوالي 930 مليون نسمة، ونسبة 12% من سكان العالم، والباقي في دول الجنوب الأخرى حوالي 157 دولة.
فالحركة الأهم للتجارة الدولية هي في دول الجنوب الصاعدة، حيث بين 1960-2013 ازدادت حصة تجارة البضائع بين دول الجنوب مع بعضها البعض من 10% وصولاً إلى 31%. بينما تراجعت تجارة دول الشمال مع بعضها البعض من قرابة 56% وصولاً إلى 28% في عام 2013. فحتى مطلع التسعينيات كانت تجارة الدول المتقدمة مع بعضها البعض تشكل أكثر من نصف التجارة العالمية للبضائع، لتدخل بعدها دول الجنوب في إطار هذه التجارة وتقلص علاقات شمال- شمال التجارة إلى قرابة الربع.
الأهم من هذا، هو دور دول الجنوب الصاعدة، والتي قاربت حصتها من تجارة البضائع العالمية حصة دول الشمال المتقدمة في عام 2013.
ترسيخ النمو بالاستثمار الثابت
إن عامل النمو الأساسي المتمثل بتوسيع التراكم في رأس المال الثابت، أي: توسيع القاعدة الاستثمارية المادية هو واحد من أهم محددات رسو النمو الاقتصادي، وتوسعه، ويدل على وجود جدوى عالية ومعدل ربح مرتفع، وإمكانات استمرارية النمو، عبر تخصيص جزء هام من الناتج لتوسيع الاستثمار المادي من أبنية أو معدات سواء كان هذا التوسيع حكومياً أم خاصاً.
وهذه النسب تشهد أيضاً تغيرات بين دول العالم المتقدم، وبين دول الجنوب الصاعدة والنامية. والأرقام المتوفرة تسبر الفترة بين 1980-2016، وتشير إلى عدم وجود تغيرات كبيرة على المستوى العالمي في نسبة الاستثمار، حيث إن ربع الناتج العالمي تقريباً يدخل في عملية التراكم، مع تراجع بنسبة 2%، حيث مجموع الاستثمار الثابت في عام 1980 شكل نسبة 26% من الناتج العالمي، لينخفض إلى 24% في عام 2016.
إلا أن الأهم هو التغير في دور الدول المتقدمة والنامية، في المساهمة في الاستثمار في رأس المال الثابت، حيث إن الدول المتقدمة التي كانت تساهم بنسبة 79% من الاستثمار في رأس المال الثابت في عام 1970، مقابل نسبة 21% لباقي الدول النامية مجتمعة، قد خفضت من مساهمتها إلى حد بعيد، مقابل توسع في حصة الدول النامية في الاستثمار في رأس المال الثابت بشكل قياسي، حيث تراجعت حصة الدول المتقدمة من الاستثمار في رأس المال الثابت عالمياًن إلى نسبة 56%، مقابل زيادة حصة باقي دول العالم إلى 44%.
حيث إن الدول النامية قد ضاعفت رقم استثماراتها الثابتة ثمانية أضعاف بينما ضاعفت الدول المتقدمة رقم استثماراتها الثابتة بمقدار 3 أضعاف فقط خلال 45 عام تقريباً.
800%
ضاعفت الدول النامية من رقم استثماراتها الثابتة أكثر من ثمانية أضعاف خلال الفترة بين 1970-2015، لتساهم بنسبة 44% عوضاً عن 21% من التراكم الرأسمالي الثابت عالمياً.
عائق «العملات العالمية القديمة»..
لا تزال المدفوعات العالمية بالدولار واليورو تشكل نسبة تزيد على 73% من المدفوعات السنوية العالمية، وبينما تساهم الصين بقرابة 11% من التجارة العالمية، فإن المدفوعات بعملتها على سبيل المثال لا تشكل إلا نسبة 0.24% من المدفوعات العالمية، وفي تفصيل كهذا التفصيل، مضافاً إليه الدور المركزي للمنظومة المصرفية الغربية، تظهر إمكانات التحكم بحصة هامة من قيمة عمليات التبادل العالمية، حيث أن ربحاً يتراوح بين 40 ألف- إلى 250 ألف بالمئة، ينجم عن الفارق بين تكلفة طباعة ورقة المئة دولار، وقيمتها في السوق العالمية. إلى أن تستطيع القوى الاقتصادية الصاعدة أن تنقل وزنها الاقتصادي الفعلي المعبر عنه في الاستثمار والتجارة، إلى وزن مالي، فإن عملية استكمال التعبير الحقيقي اقتصادياً عن تغير ميزان القوى تبقى ناقصة...
وهذه العملية انتقلت إلى طروحات معلنة، وتجهيز للبنية المؤسساتية المطلوبة، حيث تطرح بقوة وبتكرار ضرورة التبادل التجاري بالعملات المحلية، وبإنشاء عملات مستقلة للتكتلات الاقتصادية الجديدة كالبريكس أو عبر آسيا وغيرها، وهذا دونه صراع مع المركز المالي الغربي، الذي يمتلك أدوات مالية هامة، قادرة على هز الاستقرار المالي والاقتصادي للدول الصاعدة في الجنوب اليوم، ولكن أي اهتزاز من هذا النوع، سيحمل آثاره العميقة كذلك على دول المركز الغربي، فتطور اتجاهات الأزمة الاقتصادية من جهة، والتعاون الاقتصادي للدول الصاعدة من جهة أخرى ستكون كفيلة بترسيخ الاتجاه الجديد في المنظومة الاقتصادية والمالية العالمية...

عد إلى الأعلى