السعودية روسيا: تقاربات الأمر الواقع

السعودية روسيا: تقاربات الأمر الواقع

في أول زيارة يجريها ملك سعودي إلى روسيا، وصل الملك سلمان بن عبد العزيز الأربعاء الماضي إلى موسكو، الذي أعرب عن أمله أن تحقق زيارته تعزيز العلاقات الثنائية، وخدمة الأمن والسلم الدوليين. وتضمنت الزيارة قمة عُقدت بين الملك سلمان والرئيس بوتين، نُوقشت خلالها العديد من الملفات الاقتصادية والسياسية، سواء على صعيد تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، لا سيما قطاع الطاقة، أو على مستوى الملفات الإقليمية والدولية، وتوّجت بتوقيع حزمة واسعة من اتفاقيات التعاون بين البلدين، والتي من شأنها تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية.


تحمل الزيارة الأولى من نوعها العديد من الدلالات، أبرزها وأكثرها وضوحاً هي: التغير في شكل العلاقات الدولية والمرتبط بتغير موازين القوى عالمياً. فالمملكة السعودية، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، والمرتبطة بها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، إنما تؤكد بتوجهها الاضطراري نحو روسيا على التراجع الأمريكي – لمن لا يزال لديه الشكوك حول هذا الأمر- وبأن دول المركز الرأسمالي أصبحت غير قادرة كما السابق على احتواء الدولية الطرفية التابعة لها بحكم أزمتها السياسية والاقتصادية، من جهة أخرى فإن القوى الصاعدة بوزنها الاقتصادي والسياسي، تثبت نفسها على الساحة الدولية كجهة قادرة على ملء الفراغ وإدارة ملفات دولية على عدة أصعدة.

الانكفاء السعودي وبؤر التوتر
لا يمكن فصل السعودية واقتصادها، باعتبارها دولة تابعة ضمن المنظومة الرأسمالية، عن الأزمة الاقتصادية للمركز، فالاقتصاد الخليجي عموماً يعاني اليوم من تراجع، وهو ما يعتبر أحد دوافع الرياض للتقارب مع موسكو. وفي هذا السياق يمكن القول: إن تراجع فائض الريع النفطي السعودي، والذي تم توظيفه لخدمة أجندات المركز الرأسمالي خلال عقود مضت، إنما يعني أن الكثير من بؤر التوتر حول العالم والتي تم إشعالها بالمال السعودي ستنطفئ بشكل تدريجي، وأن الانكفاء السعودي في هذا السياق سيحمل بوادر حل للكثير من الملفات العالقة بما فيها الأزمة السورية. حيث أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره السعودي عادل الجبير، أن الرئيس بوتين والملك سلمان اتفقا خلال اجتماعهما على أولوية محاربة الإرهاب، وضرورة التوصل إلى حل سلمي للصراعات في الشرق الأوسط.

تقارب أكبر منتجي النفط
التقارب الروسي- السعودي أكبر منتجي النفط عالمياً، قد يحمل في حال استمراره إمكانية التحكم والتأثير على سوق الطاقة العالمي وأسعاره، حيث قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف: «بطبيعة الحال، كان الوضع في أسواق النفط والتعاون الروسي السعودي من أجل تحقيق الاستقرار في هذه الأسواق، مطروحاً خلال المباحثات».
وفي هذا السياق تم الاتفاق على تأسيس صندوق مشترك سعودي- روسي بقيمة مليار دولار للاستثمار في الطاقة. ووقعت شركة النفط السعودية العملاقة «أرامكو»، خمس مذكرات تفاهم مع كبرى شركات الطاقة الروسية، على هامش أعمال منتدى الاستثمار السعودي الروسي، الذي انعقد في موسكو، وترافق مع زيارة الملك سلمان. حيث أشار، أمين الناصر، المدير التنفيذي لشركة «آرامكو»، إلى ذلك بقوله: «تستطيع السعودية وروسيا، وهما من كبرى الدول الغنية بموارد الطاقة على مستوى العالم، التعاون معاً لتحقيق التضافر من أجل إيجاد مستقبل أكثر استدامة للطاقة من خلال طرح مبادرات تشمل عدداً من المجالات من ضمنها التقنية والبحوث والابتكار».
كما حملت الزيارة اتفاقيات تعاون اقتصادية في عدة مجالات، قد تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد السعودي وتحميه من التوغل في الأزمة، حيث أعلنت وزارة الصناعة والتجارة الروسية: أن السعودية تخطط للاستثمار في أكثر من 25 مشروعاً في روسيا، في مجالات صناعة السلع الاستهلاكية والزراعة والعقارات والبنية التحتية والنفط والغاز وغيرها، وأن روسيا مهتمة بـ«رؤية المملكة العربية السعودية 2030» حيث يكون الجانب الروسي على استعداد للمشاركة في تطوير قطاعات الاقتصاد السعودي العالية التقنية.
الاستدارة السعودية نحو روسيا والمتمثلة بالزيارة الأخيرة، وما تضمنته من تقاربات وتفاهمات سياسية واقتصادية، تثبت مرة أخرى: أن على القوى الدولية جميعها، سواء أكانت طرفية أم مركزية ضمن المنظومة الحالية، إن أرادت النجاة من المركب الغارق، والبحث لها عن مكان ضمن الخارطة الجديدة، أن تدرك ضرورة الانسحاب من النظام الدولي القديم وعلاقاته، والبحث عن آليات للتكيف مع النظام الجديد، وأن مصلحتها الحقيقية إنما تكمن مع قوى الشرق الصاعدة، وليس قوى المركز الرأسمالي المتراجع.

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 831
عد إلى الأعلى